إعداد للنشر حسن بوسرحان……
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي
بقلم : محمد أمين مداح
ليس من السهل أن نكتب عن الراحل محمد مسكين دون أن نشعر بأننا نكتب عن مرحلة كاملة من تاريخ المسرح المغربي، وعن روح فنية آمنت بالمسرح بوصفه أكثر من عرض، وأكثر من فرجة… بل بوصفه سؤالًا إنسانيًا عميقًا، وصرخة ثقافية في وجه النسيان.
لقد كان محمد مسكين واحدًا من الأسماء التي صنعت حضورها بهدوء، بعيدًا عن الضجيج، لكنه ترك أثرًا كبيرًا في الكتابة المسرحية المغربية الحديثة. وهو ابن مدينة وجدة، المدينة التي شكلت جزءًا من وعيه الفني والثقافي، ومنحت تجربته نكهة خاصة، حيث ظل المسرح عنده مرتبطًا بالإنسان البسيط وبالهوامش وبالأسئلة التي تنبع من عمق المجتمع.
رحل محمد مسكين سنة 1989، لكنه لم يرحل فعليًا من ذاكرة المسرح، لأن الأعمال الصادقة لا تموت، بل تتحول إلى أثر دائم، وإلى مرجع للأجيال القادمة.
الكتابة المسرحية عند مسكين… بحث عن المعنى
لم يكن المسرح عند مسكين مجرد حكاية تُروى، بل كان بناءً فنيًا يمزج بين الواقع والمتخيل، بين اللغة الشعرية والنبض الشعبي، بين التاريخ والأسئلة الراهنة. لقد كتب نصوصًا تحمل حسًا نقديًا واضحًا، وتشتغل على الإنسان في لحظات ضعفه، وعلى المجتمع في تناقضاته، وعلى السلطة والهوية والقدر.
وقد تميزت أعماله بتنوعها وعمقها، ومن أبرز مسرحياته:
عاشور (1978)
اصبر يا أيوب
نيرون السفير المتجول
تراجيديا السيف الخشبي
قاضي الفئران
النزيف
امرأة… قميص… زغاريد
وهي أعمال تكشف قدرة مسكين على تحويل المسرح إلى مساحة رمزية، تتجاوز الترفيه إلى التفكير.
مهرجان المهابيل… حين يصبح الجنون مرآة للحقيقة
ومن بين نصوصه اللافتة، تبرز مسرحية مهرجان المهابيل بوصفها عملًا فنيًا غنيًا بالمتخيل المسرحي والسخرية الرمزية. في هذا النص، لا يقدم مسكين الجنون كحالة هامشية، بل كعدسة يرى من خلالها المجتمع نفسه.
يمزج النص بين السرد والدراما، ويعتمد على تقنيات تجعل الشخصيات أشبه بأقنعة إنسانية، تتحدث عن واقع مضطرب، حيث يصبح “المهرجان” صورة ساخرة لعالم تختلط فيه الحقيقة بالوهم، والعقل بالعبث.
إن مهرجان المهابيل ليست مجرد مسرحية، بل تجربة فنية تقول إن المسرح قادر على كشف ما لا يقال، وعلى تحويل الألم إلى لغة، والاختناق إلى عرض حي.
نظرية محمد مسكين: النفي والنقد والشهادة
يمكن القول إن المسرح عند المرحوم محمد مسكين يقوم على ما يمكن أن نسميه نظرية “النفي والنقد والشهادة”، وهي رؤية فنية وفكرية تجعل من الكتابة المسرحية فعلًا يتجاوز الترفيه إلى المواجهة والوعي.
فـ النفي عنده ليس إنكارًا للواقع، بل رفضٌ لما هو زائف وسائد، ومحاولة لكسر الصمت الذي يفرضه القهر الاجتماعي والرتابة الثقافية. المسرح هنا يصبح فعل مقاومة رمزية، يرفض الاستسلام للمألوف.
أما النقد فيتجلى في نصوصه عبر الرمزية والسخرية والمفارقة، حيث يتحول المسرح إلى أداة تفكيك للأسئلة الكبرى المتعلقة بالسلطة والهوية والإنسان. إنه نقد لا يصرخ مباشرة، بل يتسلل إلى وجدان المتلقي ويضعه أمام مرآة الحقيقة.
ثم تأتي الشهادة بوصفها البعد الأعمق في مشروعه، إذ تصبح المسرحية وثيقة جمالية تشهد على زمن مضطرب، وعلى إنسان يعيش الهامش والخذلان، وعلى مجتمع يحتاج إلى الفن كي يفهم ذاته. وهكذا فإن مسرح محمد مسكين لا يقدم الحكاية فقط، بل يقدم موقفًا وشهادةً ورؤية.
إرث وجديّ ومغربي لا يُنسى
لقد كان محمد مسكين، ابن وجدة، واحدًا من المسرحيين الذين آمنوا بأن المسرح فعل ثقافي مقاوم، وأن النص المسرحي ليس كلمات فقط، بل موقف ورسالة. ورغم رحيله المبكر، ظل اسمه حاضرًا في الدراسات المسرحية، وفي ذاكرة الممارسين، وفي كل محاولة مغربية صادقة لتجديد الكتابة المسرحية.
رحم الله محمد مسكين…
ذلك الذي كتب للمسرح بروح الإنسان،
وجعل الخشبة وطنًا للمعنى،
وترك لوجدة وللمغرب إرثًا لا يزول.
