إعداد للنشر حسن بوسرحان……..
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي..
بقلم : الهيئة الإعلامية ” خضير الرميثي – ليلى بوشمامة ”
ه
يمتد الفن عند غازي حسني كمسار فكري طويل، يشرع نوافذه من عتبة السؤال ليعبر نحو ما وراء الشكل، في ممارسة واعية تجعل من الريشة منهجا رصينا ومن اللون رؤية فلسفية. نحن أمام فنان ينتمي بامتياز إلى جيل الوعي، ذلك الجيل الذي يدخل محراب الفن من باب المعرفة، فتغدو اللوحة في يده مادة للتفكير قبل أن تكون مرأى للعين، ويستحيل العمل الفني أثرا خالدا يقيم في الذاكرة بوقار المعنى وعمق الوجود.

منذ الخطوات الأولى، توشحت علاقة غازي حسني بالفنون التشكيلية بروح المساءلة المستمرة، فلم تكن دراسته للجماليات مجرد تحصيل أكاديمي، بل كانت سلاحا لتحرير الفن من قيود التبسيط وإعادته إلى كينونته الإنسانية والفلسفية الصرفة. وفي غمرة تجربته، تذوب الحدود بين المعرفة الصارمة وبين الحدس الشاعري، فيصير البحث العلمي امتدادا طبيعيا للريشة، وتغدو اللوحة خلاصة تأمل وجودي في جدلية المادة والفراغ، وفي سيرة الإنسان الذي يبحث عن ظله فوق القماش.
إن التشكيل في عرف غازي حسني هو خطاب كثيف يضاهي أرقى النصوص الأدبية، واللون عنده لغة لها نحوها الخاص وبلاغتها المتفردة، أما ذلك الصمت المهيب الذي يحيط بأعماله، فهو ليس غيابا، بل هو مساحة غنية بالتأويل تدعو المتلقي إلى وقفة تأمل طويلة وقراءة بطيئة تصغي لجوهر السطوح الفنية وما تكنه من صدق وتجرد. إن أعماله تستدرجنا برفق نحو الأعماق، حيث يكتشف الرائي أن ما تحت السطح هو الحقيقة الأبقى والجمال الأصفى.

وفي اشتغاله على فن الفسيفساء، يبلغ هذا المسار ذروة التجلي، حيث تكتسب القطعة الصغيرة قيمتها القصوى حين تذوب في الكل، ويتحول الفعل الإبداعي إلى فعل جماعي رمزي يكتب الذاكرة بصريا. ويمثل إنجازه للجدارية الكبرى إعلانا صريحا عن قدرة الفن على أن يكون فعلا مشتركا، ومعمارا حيا، وفضاء مفتوحا على الحياة العامة، لا تحده جدران ولا تضيق به رؤية.
لقد كان حضوره في المحافل الدولية بمثابة رحلة دائمة لتوسيع الأسئلة وتراكم الخبرة، واختبارا مستمرا لقدرة الفن على عبور الحدود بهوية أصلية لا تمحى. وكما كان مبدعا في مرسمه، كان ملهما في قاعات الدرس وبوصفه مؤطرا دوليا، حيث ركز على غرس الرؤية الفنية وفهم غايات الرسم، مؤمنا بأن قيمة الفنان لا تكمن فيما يرسم فحسب، بل فيما يزرعه من وعي بجماليات الوجود.

اليوم، يقيم غازي حسني في تلك المساحة التكاملية النادرة بين اتقاد الحس وانضباط الفكر، وبين صرامة الأكاديمي وحرية الخيال الجامح. هو فنان يبني زمنه الفني ببطء الواثقين وثبات العظماء، يراكم المعاني في كل عمل يقدمه، ويظل متمسكا بيقينه بأن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يترك خلفه أثرا باقيا وتجربة فريدة تشاهد بالعين وتقرأ بالروح في آن واحد.
هكذا يظل غازي حسني علامة فارقة في جبين الفن العربي المعاصر، وقامة لا تنحني إلا أمام عظمة الجمال وصدق الممارسة. إنه الفنان الذي لم يكتف بنحت الصخر وتلوين المدى، بل نحت لنفسه مكانا في ذاكرة الخلود، مبرهنا على أن المبدع الحقيقي هو من يحول سيرته الذاتية إلى منجز حضاري، ويجعل من حياته قصيدة بصرية تقرأها الأجيال بتبجيل، وتستلهم منها كيف يكون الفن صلاة في محراب الحقيقة، وأثرا لا يزول بمرور السنين …
