حنين الواحة … حين يزهر الحي المحمدي شعراً ، ويستعيد أنفاس الذاكرة …

كتب : الخميس، 12 مارس 2026 - 10:50 م مجتمع

بقلم : طارق الأسمر …
بين جدران الخزانة البلدية العريقة بالحي المحمدي، وفي غمرة الليالي الرمضانية التي تفيض روحانية، لم يكن اللقاء مجرد حفل توقيع كتاب، بل كان استحضاراً لـأرواح هائمة بين رمال الصحراء وأزقة المدينة. هناك، اجتمع المثقفون وعشاق الكلمة حول رواية “حنين الواحة” للأديب المغربي “حسن برما”، في احتفالية أدبية أعادت للحي المحمدي بريقه كقلب نابض بالثقافة والتمرد الجميل.

الأديب حسن برما، لم يكتب روايته من فراغ، بل هي تقطير لرحلة عمر بدأت من كلية الآداب بالرباط، ومرت عبر فصول التدريس والإدارة التربوية، وصولاً إلى اتخاذ موقف المثقف العضوي الذي انسحب يوماً من اتحاد كتاب المغرب احتجاجاً على الركود الإداري.

حسن برما الذي أمتعنا بـ “ضمير الخائب” و “سيف الريح”، ها هو يعود اليوم بـ “حنين الواحة” ليؤكد أن السرد عنده ليس مجرد حكاية، بل هو صرخة مغلفة بالاستعارة، وموقف فلسفي ينحاز للإنسان الحافي في مواجهة غول المدينة وجشع التحديث المشوه.

ففي هذه الرواية، لا تظهر الواحة كبقعة جغرافية مخضرة وسط الرمال فحسب، بل هي حالة نفسية ورمز للوطن المفقود والطفولة الهاربة. ينبش حسن برما في الروح المغربية، واضعاً شخصياته في برزخ بين صخب المدينة الخانق وسكينة الريف المفتقدة.

فالواحة في نص حسن برما هي الملاذ الأخير للأمل المنسي وسط نيران الخصومات، وهي المستقر الذي يبحث فيه أبطاله عن آدميتهم المهددة بالضياع.

كما يعتمد النص على تقنية الاسترجاع، حيث ينساب السرد برقة بين زمنين ” زمن النقاء، حيث الروابط الفطرية والهدوء. و زمن التناقض، حيث المدينة التي تلتهم أبناءها.

فأهم ما يميز “حنين الواحة” هو ذلك التمرد على التجنيس الأدبي الصارم. فالكاتب يمزج بين رصانة السرد وسيولة الشعر، وكأنه يكتب قصيدة روائية طويلة. الحوارات في النص ليست مجرد تبادل للكلمات، بل هي مرايا تعكس الصراعات الطبقية والاجتماعية، مستلهمة من روح الحي المحمدي وتراثه النضالي.

حيث استخدم حسن برما مفردات الطبيعة كالنخيل والرمال ليرسم ملامح القلوب المجروحة، محولاً الورق إلى مساحة للتأمل الفلسفي في قيم الحق والجمال في مواجهة الزيف والشهوات العابرة.

كما شكل حفل التوقيع، الذي جاء ضمن فعاليات رمضانيات الصالون الثقافي مجمع الخوت في شهري فبراير ومارس 2026، لحظة فارقة في المشهد الثقافي البيضاوي. الحضور الوازن والنقاشات المستفيضة أثبتت أن أدب برما يلامس الجرح المغربي بصدق، رغم ما قد يراه البعض من “طغيان للتأمل” على حساب الحدث الدرامي، وهي السمة التي تجعل الرواية أقرب إلى البورتريه النفسي منها إلى الرواية البوليسية أو التقليدية.

و في الختام تبقى رواية حنين الواحة شهادة حية على قدرة الأدب المغربي على تجديد نفسه، والاحتفاء بالذاكرة الشعبية بأسلوب عصري. إنها دعوة مفتوحة من حسن برما للعودة إلى الذات، والتصالح مع الجذور، في زمن أصبح فيه الحنين هو السلاح الوحيد لمقاومة النسيان …

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :