بقلم : البشير حبيبي
طالب في المدرسة العليا للأساتذة
ساهم محمد العمري في تطوير أدوات التحليل البلاغي والمقاربة المنهجية ، وذلك من خلال قراءة جديدة تجمع بين ماهو تخييلي أي الشعرية البنيوية عند جون كوهن ، والجانب الحجاجي كما هو عند بيرلمان ، بالإضافة إلى الروافد التي مدتها الأسلوبية والبلاغة الخطابية عند اليونان القدامى ، ويرى العمري أن الجهود التي قام بها جون كوهن في تجديد البلاغة القديمة اقتصرت على الجانب التخيلي للبلاغة ، أي بلاغة الصور والمحسنات كما هو مصرح به في كتابه : « بنية اللغة الشعرية » الذي ترجمه كلٌ من محمد العمري ورائد البلاغة محمد الوالي ويعتبر هذا الأخير أن الشعرية البنيوية مع كوهن قد سلكت منهجا غير منهج البلاغة مع حفاظها على تقسيمات البلاغيين الذين إختزلو البلاغة أمثال شيشرون وكنتليان .
إن مدار الشعرية البنيوية كما يعرفها أستاذي الدكتور عبد القادر بقشى في مجلة البلاغة وتحليل الخطاب ، يرتكز على أساس الانزياح الذي يميز الشعر عن اللاشعر ، فالذي يميز الشعر عن اللاشعر (النثر) هو حضور الانزياح الشعري الذي يحمل طاقة وجدانية إيحائية و هو موضوع الشعرية أساسا ، بخلاف النثر الذي يتميز بالوضوح والموضوعية.
أما مفهوم الانزياح فهو بتعريف كوهن العدول عن المعتاد ، أي خرق للغة العادية والتي لغة العلماء فهي خالية من أي أثر أسلوبي أو بعبارة أخرى حسب كوهن ” تدنو للدرجة الصفر من الانزياح ” .
وينصرف مفهوم الإنزياح إلى ثلاث مستويات نحو المستوى الصوتي والدلالي والتركيبي ، إن ما يعاب على كوهن وذلك في سياق ثورة تجديدية للبلاغة هو تركيزه على الجانب التخيلي والأسلوبي للبلاغة وإهماله لجانبها الحجاجي التداولي ، وهذا يأخذنا لشاييم بيرلمان الذي أعاد للبلاغة سطوتها وحضورها الحجاجي التداولي خصوصا في كتابه الإمبراطورية الحجاجية ويستلهم بيرلمان بعض مفاهيم الحجاج من عند أرسطو في كتابه فن الخطابة ، ليأسس بيرلمان لخطاب حجاجي يشمل جميع أشكال التخاطب الإنساني متوسلا بجملة من المنطلقات مثل ( الوقائع والحقائق، الترتيبات مثال : الحيوان أسمى من الإنسان، المعاني والمواضع …) وقد ميز بيرلمان بين نمطين من الحجج : حجح قائمة على الوصل وقد تطرق لها في كتابه السالف الذكر وحجج قائمة على الفصل أي الفصل بين المفاهيم …
وبالرغم من نجاح بيرلمان في تطوير البلاغة من زاوية حجاجية إلا أنه أهمل جانب التخييل بإهمال لا يقل عن إهمال كوهن للحجاج …إن هذا الفج المشاهد عند كل من كوهن وبيرلمان ، قام محمد العمري بتعديله من خلال التنسيق بين المشروعين على ضوء البلاغة العامة ويقول محمد العمري في هذا الصدد : ” إن للبلاغة العامة جناحين واحد حجاجي والأخر تخييلي ” .



