حرير وإعداد: حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي..
في زمنٍ يضجّ بالسرعة ويكاد يختنق بضجيج المادة، يطلّ الحادي والعشرون من مارس كنافذةٍ مفتوحة على الروح، حيث يستعيد العالم أنفاسه شعراً، ويعيد اكتشاف ذاته عبر الكلمة الجميلة. إنه اليوم العالمي للشعر، ذلك الموعد الذي لا يُحتفى فيه بالحروف فحسب، بل بالإنسان في أنقى تجلياته.
حين تضيق الأرض بما رحبت، ويتوارى المعنى خلف ركام الاستهلاك، ينبثق الشعر كضوءٍ خافت لكنه عنيد، يعيد ترتيب الفوضى ويمنح للوجود معنى آخر. في هذا اليوم، يخلع العالم عباءة الضجيج، ويرتدي وشاح القوافي، لتتحول القصيدة إلى لغة كونية تتجاوز الحدود والجغرافيا….

لقد كان إعلان اليونسكو لهذا اليوم سنة 1999، خلال مؤتمرها العام في باريس، لحظة اعتراف عالمي بأن الشعر ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة إنسانية. فقد أرادت من خلاله حماية التنوع اللغوي، ومنح اللغات المهددة فرصة للنجاة عبر الإبداع الشعري، في مواجهة عولمةٍ قد تذيب الخصوصيات.
وفي الذاكرة العربية، لم يكن الشعر يوماً مجرد فن، بل كان ديوان الأمة ومرآة وجدانها. من المتنبي الذي صاغ الكبرياء شعراً، إلى محمود درويش الذي جعل القصيدة وطناً، ظلّ الشعر صوتاً للتاريخ والهوية، وملاذاً للإنسان حين تضيق به السبل.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زالت للقصيدة مكانة في عالم الخوارزميات؟
الجواب لا يُكتب بالنظريات، بل يُقرأ في نبض الحياة. في أمسيات تُقام في المسارح، وفي مقاهٍ عتيقة تعجّ بالمثقفين، وفي فصول دراسية يكتشف فيها الأطفال لأول مرة سحر الوزن والقافية. هناك، يثبت الشعر أنه لم يمت، بل غيّر فقط طريقته في التنفس…

الشعر اليوم:
صوتٌ للحرية، يعبّر عن المقهورين ويحمل آمالهم.
بلسمٌ للروح، يعيد ترتيب مشاعرنا في زمن القلق.
جسرٌ بين الحضارات، حيث لا تُترجم الكلمات فقط، بل تُنقل الأرواح والثقافات.
ومن فيديريكو غارثيا لوركا إلى شارل بودلير، ومن ضفاف المتوسط إلى أقاصي العالم، تتوحد الأصوات في سيمفونية إنسانية عنوانها الجمال.
إن الاحتفاء بهذا اليوم يتخذ أشكالاً متعددة: أمسيات شعرية في دور الأوبرا، قراءات في المكتبات، ورشات في المدارس، وحتى منشورات رقمية تُعيد للشعر حضوره بين الأجيال الجديدة. وكأن العالم، في لحظة نادرة، يتفق على أن الكلمة الجميلة ما زالت قادرة على إنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا.
وفي الختام، فإن اليوم العالمي للشعر ليس مجرد مناسبة عابرة، بل دعوة صادقة لاستعادة الدهشة التي سرقتها منا الحياة. هو تذكير بأن بيتاً واحداً من الشعر قد يرمم ذاكرة، ويوقظ أملاً، ويُعيد رسم ملامح الغد. .

فلنصمت قليلاً عن الكلام العادي…
ولنهمس للكون قصيدة،
فالعالم الذي يقرأ الشعر،
لا يمكن أن يفقد إيمانه بالجمال… ولا بالأمل…