شيماء الرداف… حين يتحوّل الملحون إلى جسرٍ بين الذاكرة المغربية وآفاق الحداثة

كتب : الأثنين، 23 مارس 2026 - 2:08 م مجتمع

تحرير وإعداد: حسن بوسرحان……
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي….
في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات وتكاد الفنون الأصيلة تُزاحمها موجات الاستهلاك السريع، تبرز شيماء الرداف كصوتٍ استثنائي يعيد لفن الملحون هيبته، ويمنحه نفساً جديداً يجمع بين أصالة الجذور ورحابة المعاصرة. إنها ليست مجرد منشدة، بل مشروع ثقافي حيّ يعكس عمق الهوية المغربية وقدرتها على التجدد.

منذ خطواتها الأولى، وهي طفلة لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، اختارت شيماء أن تسلك درباً صعباً لكنه نبيل. كانت لحظة انطلاقتها خلال حفل تكريم الراحل عباس الجراري بمدينة أزمور لحظة فارقة، حين أهدت الحضور قصيدتها «الأم»، لتترك صدى إنسانياً عميقاً في النفوس. لم يكن إعجاب الجراري مجرد مجاملة، بل كان قراءة مبكرة لموهبة واعدة، حين قال لها بثقة العارف: “سيكون لك شأن في الملحون”.
لم تمر سوى سنة واحدة حتى أكدت شيماء صدق التوقع، بفوزها بالجائزة الكبرى في مسابقة الإنشاد سنة 2013، ممثلة مدرسة الملحون التابعة لجمعية أحمد بن رقية بأزمور. ومنذ ذلك الحين، بدأت رحلة الصعود بثبات، حيث وجدت في فن الملحون ليس فقط مجالاً للإبداع، بل فضاءً للتعبير عن الذات والانتماء.

الملحون، هذا الفن العريق الذي يشكّل أحد أعمدة التراث اللامادي المغربي، لم يكن بالنسبة لشيماء مجرد غناء، بل رسالة. لذلك حرصت على حضوره في الندوات واللقاءات الثقافية، مدافعة عنه بكل وعي وإيمان، ومؤكدة أن التراث لا يعيش إلا إذا حمله جيلٌ جديد بروحٍ متجددة.
وقد تعزز هذا الحضور من خلال مشاركتها المتميزة في مهرجان «ملحونيات أزمور»، حيث تحوّلت إلى واحدة من أبرز الوجوه الفنية التي تحتفي بها الساحة الثقافية وطنياً ودولياً، خاصة بعد الاعتراف الذي حظي به فن الملحون ضمن قوائم التراث الثقافي، بدعم من اليونسكو، وهو الاعتراف الذي منح هذا الفن دفعة جديدة نحو العالمية.

غير أن تميّز شيماء لا يتوقف عند حدود الصوت والإحساس، بل يمتد إلى مسار أكاديمي رصين. فقد تخرجت من المعهد الوطني للتخطيط والتعمير بالرباط، ثم حصلت على ماستر متخصص في الجغرافيا المكانية والحكامة العقارية من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة. واليوم، تواصل مسيرتها كباحثة في سلك الدكتوراه، مركّزة على قضايا الحكامة العقارية بشمال إفريقيا، في إطار تعاون علمي دولي، مع انفتاحها على البحث داخل الجامعة الدولية محمد السادس.
هذا التوازن الفريد بين الفن والعلم يجعل من شيماء نموذجاً متكاملاً للمرأة المغربية المعاصرة؛ امرأة تعتز بهويتها، وتستثمر في علمها، وتؤمن بأن الإبداع لا ينفصل عن المعرفة.
وقد تجلّى هذا العمق أيضاً في مشاركتها ضمن مشروع أكاديمية المملكة المغربية، حيث ساهمت في تسجيل نحو 60 قصيدة ملحونية رفقة نخبة من المنشدين والعازفين، في خطوة تروم توثيق هذا التراث وصونه للأجيال القادمة.

أما في مهرجان «ملحونيات أزمور 2025»، فقد خطفت الأنظار بأدائها لقصيدة «رغبو تاج لملاح» للشاعر سيدي قدور العلمي، حيث أبدعت في التحكم بالأوزان والإلقاء، وقدّمت عرضاً فنياً متكاملاً جمع بين الحضور القوي والإحساس المرهف، لتؤكد مرة أخرى أنها صوت يُصغي إليه الجمهور بشغف.
إن قصة شيماء الرداف ليست مجرد مسار فني ناجح، بل هي حكاية التقاء بين التراث والعلم، بين الأصالة والطموح، بين الماضي الذي نعتز به والمستقبل الذي نصنعه. إنها شهادة حيّة على أن الفن المغربي الأصيل لا يزال قادراً على الإلهام، حين يجد من يحمله بصدق وإيمان.

كلمة إدارة الموقع
في زمن تتلاشى فيه الحدود بين الثقافات، وتتنافس فيه الأصوات على لفت الانتباه، تظل النماذج الصادقة مثل شيماء الرداف عنواناً للتميز الهادئ والراسخ. إننا في إدارة الموقع نعتبر أن دعم مثل هذه الطاقات ليس ترفاً ثقافياً، بل واجباً وطنياً، لأن الحفاظ على التراث يبدأ من الاحتفاء بحَمَلته.
شيماء ليست فقط فنانة تؤدي، بل هي ذاكرة تنبض، وصوت يربط الأجيال، وجسر يمدّ الحاضر بالماضي ليصنع مستقبلاً أكثر إشراقاً. ومن هذا المنبر، نحيّي كل المبادرات التي تعيد الاعتبار للفن الأصيل، ونؤكد التزامنا الدائم بمواكبة كل تجربة جادة تسهم في إشعاع الثقافة المغربية داخل الوطن وخارجه.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :