قلم : طارق الأسمر
إعداد للنشر حسن بوسرحان…
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي
ثمة أمكنة لا تزورها لتتفرج، بل لكي تستعيد فيها شيئاً من نفسك التي ضاعت في زحام المادة. وفي قلب حد السوالم، وبعيداً عن صرامة المتاحف الكلاسيكية وجدرانها الصامتة التي تفرض عليك صمتاً مماثلاً، ينهض فضاءٌ استثنائي يكسر القاعدة. هنا، يثبت لنا الفن أن الدهشة لم تنتهِ بعد، بل كانت فقط تنتظر بصيرة فنان يزيح عنها غبار العادة، ليعيد تقديمها كقصيدة بصرية مفتوحة على السماء.

في رحلة ضمت نخبة من الإعلاميين، المبدعين، والفاعلين الجمعويين، وجدنا أنفسنا أمام تجربة روحية فريدة يقودها الفنان ” رشيد السوالمي “. في هذا الفضاء، ليس الفن نحتاً بالمعنى التقني البارد، بل هو كشفٌ لما خبأته الطبيعة في رحم الغيب.
المتحف هنا ليس سقفاً وجدران، بل هو معرض سماوي مفتوح، أبطاله أحجارٌ صاغتها يد القدر وعوامل الزمن بإتقان يفوق الخيال. لم يحتج السوالمي إلى إزميل ليطوع الصخر، بل احتاج إلى عينٍ تقرأ المسكوت عنه في صمت الحجر.

طيورٌ باسطة أجنحتها للريح.
أسماكٌ تسبح في فراغ الروح.
وحوشٌ برية تجمدت في لحظة تأمل أبدي.
إنه جمال لا يطالبك بالفهم المعقد أو التأويل الفلسفي، بل يدعوك ببساطة للإنصات لجمال الطبيعة في لحظات تجليها القصوى، حيث يصبح الحجر كائناً حياً ينبض بالحكايات.
لم يكن الفضاء مجرد استعراض للأشكال، بل هو ملاذٌ للذاكرة المغربية الأصيلة. تتوزع في أرجائه تفاصيل من زمن تمغربيت التي لا تموت، بئرٌ يحرس الحكايات العتيقة، “فرن بلدي” يستحضر دفء القرى ورائحة الخبز الأول، وقطع تراثية كـ “الشكوة” و”الرداد” و”العشة”.
هذه المفردات لم توضع هناك كتحفٍ ميتة للفرجة، بل كشواهد حية على هوية تأبى النسيان. كان المكان يهمس لزائريه بأن الحداثة لا تعني القطيعة، بل هي امتدادٌ طبيعي لهذه الجذور الضاربة في عمق التراب.

ولأن الجمال لا يكتمل إلا بنغم، فقد شهدت الزيارة لحظة فنية نادرة، تآخى فيها الإيقاع الشعبي بصدقه وعفويته مع الأغنية الطربية برزانتها وعمقها. فنانون عشقوا الفن لذاته، خلقوا حالة من الانصهار بين الجذور والذائقة المعاصرة، حتى لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ، بل تحول إلى جزء من العرض، يتفاعل مع نبرة الصوت ورنين الوتر في انسجام تام مع روح الفضاء.

و في الختام فإن ما يقدمه ” رشيد السوالمي ” ليس مجرد جمعٍ للأحجار أو عرضٍ للتراث، بل هو مشروع ثقافي متكامل. إنه يعلمنا كيف نعيد اكتشاف الجمال في “الهوامش”، وكيف نجعل من الفن ممارسة يومية خارج الجدران الضيقة، لنفهم في النهاية أن أعظم الفنون هي تلك التي تشبهنا، وتشبه أرضنا.