بين الفكر الأدبي وفلسفة المخيلة:…..

كتب : الجمعة، 17 أبريل 2026 - 5:41 م أنشطة ثقافية, قصة للقراءة

تحرير : حميد البركي ….
اعداد للنشر حسن بوسرحان..
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي…
بين الفكر الأدبي وفلسفة المخيِّلة والصورة، صناعة لغوية تُحاك على منوال البلاغة، ترفٌ جماليٌّ معزول عن حركة الواقع، كما أنه مجالٌ تتقاطع فيه الفكرة بالصورة، والعقل بالمخيِّلة، والواقع بسلسلة الاحتمال، فكرٌ حين يتأمَّل، وفلسفةٌ حين يُعمِّق الرؤية، وصورةٌ حين يُجسِّد المعنى في هيئةٍ محسوسةٍ قادرةٍ على الإيحاء والامتداد، إنَّها المخيِّلة حين تعيد صياغته في أفقٍ أوسع، فتستخرج من تفاصيله الجزئية دلالاتٍ كونية، تجعل من التجربة الفردية مرآةً لوجدانٍ جماعي، وبهذا يغدو الشعر قضية وعيٍ ومسؤولية، إذ يبتلى به الشاعر كما يُبتلى صاحب الفكرة الكبرى، ليكون لسان أمته وذاكرتها الحيَّة، يحفظ هويتها ويُجدِّد رؤيتها، ويصوغ علاقتها بذاتها وبالآخر ضمن محاكاةٍ تتجاوز التقليد إلى الخلق والإبداع،
وإذا كانت الفلسفة تبحث عن الحقيقة في تجريدها العقلي، فإن الشعر يطلبها في إشراقها الجمالي؛ كلاهما يسعى إلى المعنى، غير أن أحدهما يسلك طريق البرهان، والآخر يسلك طريق الرمز، ومن تلاقي الطريقين تتكوَّن حضارةٌ قادرةٌ على التفكير كما هي قادرةٌ على الحلم، وهي حلقة الوصل بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين محدودية اللحظة واتساع الأفق، فيرتقي بالذاكرة من حفظ الماضي إلى صناعة المستقبل، ويمنح الإنسان قدرةً على أن يرى العالم كما يمكن أن يكون، حيث الكلمة منه منزلةُ هويةٍ وكيان، وذاكرةٍ جامعةٍ تشكَّلت فيها روح الأمة وتاريخها ووجدانها، لقد كان خاصَّتهم التي بها عُرفوا بين الأمم، والمجال الذي أبدعوا فيه تصوُّرهم للعالم، وصاغوا عبره أجود أفكارهم، وأجمل صورهم الفنية، وأرفع معانيهم البلاغية، وغرسوا فيه منظومة القيم التي انتظمت حياتهم الفردية والجماعية، وكما أن لكل أمة علمًا تُعرف به وتتميَّز فيه، تحفظ به إرثها وتصون به وجودها، فقد كان الشعر للعرب قبل الإسلام ديوانهم الشامل، الذي احتوى تاريخهم الإنساني، وضمَّ أخبارهم، وصان مآثرهم من الضياع.
وقد عبَّر الجاحظ في كتابه الحيوان عن هذه الحقيقة تعبيرًا يكاد يكون تقريرًا فلسفيًّا لوظيفة الشعر في الاجتماع العربي، حين قال: “فكل أمة تعتمد في استبقاء مآثرها، وتحصين مناقبها، على ضرب من الضروب، وشكل من الأشكال، وكانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليدها بأن تعتمد في ذلك على الشعر الموزون والكلام المقفَّى، وكان ذلك هو ديوانها” فالشعر، وفق هذا التصور، آلية حفظٍ ثقافي، ونظام أرشفةٍ جمالي، يحول الذاكرة إلى إيقاع، والتاريخ إلى صورة، والقبيلة إلى خطاب، ويؤكد ابن قتيبة هذا المعنى في تأويل مشكل القرآن حين يجعل الشعر في منزلة الكتب لدى الأمم الأخرى، فيقول: “وللعرب الشعر، الذي أقامه الله تعالى مقام الكتب لغيرها، وجعله لعلومها مستودعًا، ولآدابها حافظًا، ولأنسابها مقيدًا، ولأخبارها ديوانًا لا يرثُّ على الدهر، ولا يَبِيد على مر الزمان، وحرسه بالوزن والقوافي وحسن النظم، وجودة التحبير من التدليس والتغيير…” إن الوزن هنا يتحول من بنية صوتية إلى سياج معرفي، والقافية من جرس موسيقي إلى أداة صيانةٍ للنص من التحريف، فيغدو الشعر نظامًا مغلقًا على التبديل، مفتوحًا على الخلود.
وقد شهد الشعر العربي تطورات كبرى مواكبة للتحولات الاجتماعية والدينية والسياسية التي عرفتها جزيرة العرب، ويميّز الدارسون بين عصر قبل الإسلام، وعصر الإسلام، وعيًا بخصوصية كل مرحلة. ويشير بعض المؤرخين، ومنهم كارل بروكلمان في تاريخ الأدب العربي، إلى أن شعر الجاهلية ظلّ النموذج المرجعي الذي تُقاس عليه النصوص اللاحقة ، حتى إن بعض النقاد بالغوا في تعظيمه إلى حدِّ التهوين من قيمة شاعر وُلد بعد الإسلام لمجرد اختلاف السياق التاريخي،
ومع مجيء الإسلام، حدث تحوّل عميق في بنية الوعي العربي؛ تحوّل مسَّ العقيدة والقيم ونظرة الإنسان إلى الكون والحياة، ومن الطبيعي أن يتأثر الشعر بهذا التحول؛ إذ لا يمكن لفنٍّ يتغذّى من التجربة الإنسانية أن يبقى بمنأى عن انقلابٍ روحيٍّ شامل، ومن هنا نشأ الجدل حول مسألة ضعف الشعر أو قوته في صدر الإسلام.
فقد ذهب فريق من النقاد إلى أن الشعر أصابه وهنٌ بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 224-226]، واستندوا كذلك إلى الحديث الشريف: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا» وعدُّوا ذلك دليلاً على موقف سلبي من الشعر، واستأنسوا بما أورده ابن خلدون في المقدمة من أن العرب انصرفوا عن الشعر أول الإسلام لانشغالهم بأمر الدين والوحي، وأنهم سكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانًا لما أدهشهم أسلوب القرآن ويُجمل هذا الاتجاه حججه في أمورٍ منها: انشغال المسلمين بالقرآن، وتحوّل القيم بعيدًا عن العصبية الجاهلية، واعتقاد أن الشعر لا يقوى إلا في أجواء التنازع والهجاء، وأن بعض الشعراء كفّوا عن القول أو لان شعرهم بعد الإسلام، في مقابل ذلك، رأى فريق آخر أن الإسلام لم يُضعف الشعر، وإنما وجّهه وأعاد تحديد غايته، فالآيات التي نزَّهت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الشعر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]، جاءت في سياق الرد على اتهام قريش له بالشعر، وتمييز الوحي عن القول البشري، لا في سياق تحريم الشعر أو إبطاله، وقد فُسِّرت آية الشعراء تفسيرًا يُظهر أنها ذمّت نمطًا من الشعر القائم على الغواية والتهويم، لا الشعر الذي يستمد قيمه من الحق ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن الدعوة الإسلامية أطلقت طاقات تعبيرية جديدة؛ فقد وقف شعراء المدينة يدافعون عن الرسول صلى الله عليه وسلم، كما ظهر شعراء في مكة لم تكن معروفة بالشعر قبل الإسلام وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم الشعر أداةً معنوية في مواجهة خصوم الدعوة، وشجّع حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبدالله بن رواحة على الرد والهجاء، وروي عنه قوله: «إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة» ، وقوله: «الشعر كلام من كلام العرب جزل تتكلم به في بواديها، وتسل به الضغائن من بينها» ، مما يدل على إقرارٍ لقيمة الشعر حين يلتزم بالحق والعدل، ويرى بعض الباحثين أن القرآن لم يُخرس الألسنة، وإنما غيّر موقع الشعر في النسق الثقافي؛ فلم يعد الشعر المرجعية العليا كما كان، فقد صار أحد روافد التعبير في ظل مرجعية الوحي، ويؤكد هذا المعنى ما أورده يوسف خليف من أن القرآن أضعف من سيطرة الشعر على الحياة الأدبية بعد أن كان اللون الأساسي فيها، دون أن يقضي عليه
أما إدريس الناقوري فيذهب إلى أن المقارنة بين الشعر الجاهلي والإسلامي تحتاج إلى احتراز منهجي؛ إذ لكل مرحلة شروطها ومفاهيمها، والشعر في ظل الإسلام اتخذ مفهومًا جديدًا، وخضع لتوجيه أثّر في مساره وتطوره، ومن ثم فإن القول بضعفه على إطلاقه تعميم لا يستقيم تاريخيًّا ولا نقديًّا، كما أن اعتبار الشعر قبل الإسلام النموذج الأعلى أمرٌ يعتريه الشك، لاحتمال وجود مراحل أقدم وأكثر نضجًا ضاعت مع تقلبات التاريخ،
إن التحول الذي أحدثه الإسلام كان تحوّلًا شاملًا، مسَّ بنية القيم والرؤية، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على الشعر، غير أن هذا الانعكاس لا يُختزل في ثنائية الضعف والقوة، وإنما يُفهم بوصفه انتقالًا من أفقٍ تعبيري إلى أفقٍ آخر، ومن مركزيةٍ مطلقة إلى شراكةٍ ثقافية مع الوحي، وهكذا يظل الشعر، في التجربة العربية، أكثر من فنٍّ لفظي؛ إنه وعيٌ متشكل في إيقاع، وفلسفةُ وجودٍ صيغت في صورة، وذاكرةُ أمةٍ استبقت ذاتها عبر النغم واللغة، ومع الإسلام أعاد تعريف نفسه في ضوء القيم الجديدة، فصار الشعر الذي يلتزم بالحق والحكمة مقبولًا ومؤيدًا، بينما تراجع الشعر الذي يقوم على الغواية والمجاوزة، ومن ثم فإن نظرية ضعفه في صدر الإسلام، إن لم تكن مردودة من أساسها، فهي نسبية مشروطة بسياقاتها، ولا تصلح حكمًا عامًا مطلقًا، لقد ظل شاهدًا على تحولات العرب، ولسانًا لصراعاتهم، ومرآةً لوعيهم المتجدد، يحتفظ بمكانته بوصفه فلسفة العرب الحيّة، التي نطقت قبل أن تُدوَّن، وبقيت فاعلة ما بقي في اللغة نبضٌ وفي الذاكرة أثر.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :