بورتريه بقلم هناء ميكو …
إعداد للنشر حسن بوسرحان…
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي..
في مدينة مكناس، حيث تنبت الحكاية من تفاصيل الحياة، وتتشكل الذاكرة على إيقاع المعرفة، وُلدت شخصية تفتح للمعنى أكثر من أفق.
محمد الخمسي ، أستاذ جامعي مغربي متخصص في الرياضيات، مفكر موسوعي يحمل دكتوراه في الرياضيات والطاقة من معهد البوليتكنيك بنانسي بفرنسا، إلى جانب دكتوراه الدولة في المغرب. يدرّس بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، بكلية العلوم والتقنيات، حيث يواصل حضوره الأكاديمي داخل فضاء علمي يزاوج بين الدقة الرياضية وأسئلة الفكر.
فيلسوف يرى في الأرقام نبضًا للحياة، وفي المعادلات الرياضية لغة تفسر الكون، ومهندسًا للحضارة. اشتغل على أطروحات دقيقة في مجال الموصلية الفائقة، في تقاطع شفاف بين الفيزياء والرياضيات، غير أن حضوره يمتد إلى فضاء التحليل الاستراتيجي والمقالات الفكرية، خاصة في قضايا التعليم والرياضيات والتحولات المجتمعية، بعيدًا عن التأليف التقليدي للكتب، حيث يختار أثر الفكرة أكثر من شكلها الكلاسيكي.
كانت معرفتي به إنصاتًا قبل أن تكون لقاءً مباشرًا. من خلال حواراته، انكشف لي صوت يمتلك حنكة الحكي، ويُحسن الإصغاء للفكرة وهي تتشكل. محاور وحكواتي مثقف، يدمج بين السرد المعرفي العلمي والأدبي، في انسجام يفتح المجال أمام التفكير المتعدد الزوايا. في حديثه سلاسة تُشعر بمحبة ما يفعل، وعمق يمنح الفكرة امتدادها.
تعزز هذا الانطباع أكثر من خلال حواراته الأولى التي تابعته فيها عبر برنامج قهيوة ولا أتاي مع الإعلامي عتيق بنشكر، حيث ظهر بوضوح ذلك النفس التأملي الهادئ، والقدرة على تحويل النقاش إلى مساحة فكرية مفتوحة تُنصت للفكرة وتعيد صياغة الأسئلة بدل الاكتفاء بالأجوبة.
كما عرفته أيضًا عبر بودكاست مجتمع مع باسم الجمل، حيث يتجلى حضوره في أفق حواري أكثر قربًا وعمقًا، يكشف عن قدرة على تفكيك الأسئلة الكبرى بلغة سلسة، دون أن تفقد صرامتها المفاهيمية، مما يبرز تعدد أدواته في التواصل بين الفكرة والجمهور.
كنت أتابع تدخلاته، فأجدني أمام عقل يشتغل بمنهجية الباحث، يرى الأشياء من زوايا مختلفة، ويعيد ترتيبها داخل شبكة من العلاقات الدقيقة. هذا القرب الفكري جعلني ألتقي معه في أسئلة التعليم، وفي الإيمان بالفكر النقدي، وفي تقدير جماليات الفن كأفق موازٍ للمعرفة.
في حضوره الإذاعي عبر برنامج ديكريبتاج، وكذا برنامجه ممكنات، يتجلى هذا النفس التحليلي، حيث يساهم بخبراته وتحليلاته في فتح النقاش حول قضايا الفكر والمجتمع، وتعزيز الوعي العام.
ما جاد به فكره وتجربته يفتح أفقًا واسعًا للمعرفة. يقدّم الرياضيات فلسفة حيّة، ممرًا لفهم العالم، وأداة لتفكيك تعقيداته، حيث يتبدّى الكون في جوهره بناءً هندسيًا، وتغدو لغته مفتاحًا للإدراك. في سياق طوفان الذكاء الاصطناعي، يضع الإصبع على فجوة حضارية بين صانعي التقنية ومستهلكيها، ويعيد الاعتبار لجوهر الإنسان: السؤال؛ فمن عمقه تنبثق الحرية، وتتشكل مناعته تجاه الاستلاب.
ترتسم لديه رؤية تعتبر الأزمة ذات بعد حضاري، تستدعي انتقالًا نحو تفكير استراتيجي يعيد ترتيب الأولويات الكبرى، مثل التعليم وأمن الماء. ومن أعمق مفاهيمه “مناطق التماس”، حيث تلتقي التخصصات وتتلاقح العقول، فتنشأ الحلول المركبة ويتشكل أفق للنهوض.
تتجلى أبرز ملامح إسهاماته الفكرية في كونه مفكرًا استراتيجيًا وراصدًا اجتماعيًا وسياسيًا، يشارك بتحليلاته في عدة منابر. له مقالات ورؤى فكرية، من بينها مقالات حول إصلاح منظومة التعليم في الدول العربية، وفلسفة الرياضيات باعتبارها لغة حضارية. كما يواكب المشهد الفكري والإعلامي من خلال مشاركته في برامج فكرية متعددة.
لا يرضى بالتفاهة ولا بالخواء، لأن اهتمامه ينصرف إلى ما يخص الإنسان والإبداع والفكر التجريبي، حيث تتجذر الأسئلة وتتبلور المعاني الحقيقية. هو ابن الفكر والفن والشعب، قيمة مغربية بارزة، تتجلى في حضوره كصوت يجمع بين الصرامة العلمية والوعي الإنساني العميق.
في الإصغاء إليه، يعيد المرء ترتيب مكتبة فكره، مدركًا أن العالم الحقيقي يوسّع رؤيته خارج حدود تخصصه. هكذا تصبح المعرفة فعلًا حيًّا، وتتحول الأسئلة إلى بوصلة في زمن الأجوبة الجاهزة، ويستعيد العقل دوره في بناء أفق حضاري يستحق المستقبل
