إعداد وتحرير: حسن بوسرحان
للموقع الإلكتروني: الأفق المغربي
في زوايا الذاكرة المغربية، حيث تختبئ حكايات العطاء الصادق، تبرز أسماء نسائية كتبت تاريخها بالفعل لا بالقول، ونسجت مساراتها من خيوط الالتزام والإيمان بالقضايا العادلة. ومن بين هذه الأسماء، تتألق المرحومة حليمة أبو دينار الشرقاوي، كواحدة من الوجوه التي جمعت بين النضال والعمل الاجتماعي والإعلامي، فكانت صوتًا لمن لا صوت لهم، وجسرًا للتضامن الإنساني في زمن تتسارع فيه التحولات.
منذ بداياتها، اختارت الراحلة أن تكون في قلب الأحداث، لا على هامشها. ففي سبعينيات القرن الماضي، وفي مرحلة كانت فيها القضايا القومية تشكل وجدان الشعوب، انخرطت سنة 1975 في العمل النضالي من خلال منظمة التحرير الفلسطينية، حيث ساهمت في دعم الكفاح من خلال جمع التبرعات، مؤمنة بأن الحرية مسؤولية جماعية، وأن القضايا العادلة لا تعرف حدودًا جغرافية.

ولم يكن هذا الالتزام محطة عابرة، بل شكل منطلقًا لمسار مهني ومؤسساتي، حيث التحقت سنة 1982 بوزارة الداخلية المغربية، لتخوض تجربة إدارية مكنتها من فهم آليات التدبير العمومي، والإيمان بأن التغيير الحقيقي يتطلب حضورًا داخل مؤسسات الدولة، كما يتطلب نبضًا ميدانيًا صادقًا.
ومع بداية التسعينيات، فتحت لنفسها بابًا جديدًا في عالم الإعلام، فالتحقت سنة 1992 بجريدة “العلم”، لتجعل من الكلمة أداة نضال موازية، تكتب عن قضايا الوطن، والمرأة، والمجتمع، بروح قريبة من المواطن وهمومه اليومية. لم تكن كتاباتها مجرد سرد، بل كانت صرخة وعي، ورسالة التزام…

هذا المسار الإعلامي لم يتوقف عند الصحافة المكتوبة، بل امتد إلى الإعلام المرئي، حيث ساهمت في تنسيق برامج نسائية على قناة MBC1 ضمن برنامج “التفاح الأخضر”، كما عملت سنة 1996 منسقة إعلامية على قناة فلسطين، مواصلة بذلك حملها لقضايا المرأة والأسرة، وللقضية الفلسطينية التي ظلت حاضرة في وجدانها.
وعلى المستوى السياسي، خاضت الراحلة تجارب متعددة داخل عدد من الأحزاب الوطنية، من بينها حزب الأمل، حزب الاتحاد الدستوري، حزب العمل الديمقراطي، وحزب الأصالة والمعاصرة، حيث اشتغلت كمنسقة، واضعة نصب عينيها هدفًا واحدًا: تحقيق أثر حقيقي يخدم الفئات الهشة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة..

وفي سنة 2007، توّجت مسارها بتأسيس جمعية أم عقيل للتنمية الاجتماعية، التي تحولت إلى فضاء عملي لترجمة أفكارها إلى مبادرات ملموسة. جمعية لم تكن مجرد إطار قانوني، بل روحًا نابضة بالتضامن، ويدًا ممدودة لكل محتاج.
من خلال هذه الجمعية، أطلقت المرحومة مشاريع متعددة شملت محاربة الأمية، ودعم التربية غير النظامية، وتنظيم قوافل طبية واجتماعية، إضافة إلى مبادرات إنسانية لفائدة نزلاء السجون ودور الرعاية. كما امتد عملها إلى مجالات فنية وثقافية ورياضية، إيمانًا منها بأن التنمية لا تكتمل إلا بتكامل الأبعاد الإنسانية..

ولم يتوقف إشعاعها عند حدود الوطن، بل حملت رسالتها إلى الخارج، من خلال زيارات إنسانية لسجون ومؤسسات اجتماعية في أوروبا وإفريقيا، مقدمة صورة عن المغرب المتضامن والمنفتح، وساعية إلى بناء جسور التعاون الإنساني.
كما أولت اهتمامًا خاصًا بالتراث المغربي، من خلال تنظيم معارض وأنشطة ثقافية تعكس غنى الهوية الوطنية، إلى جانب انخراطها في الترويج للطب البديل والمواد الطبيعية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأهمية العودة إلى الجذور الصحية والثقافية.

وفي كل محطاتها، ظلت المرحومة وفية لثوابتها الوطنية، مستلهمة روح العمل تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة محمد السادس، ومؤمنة بأن التنمية الحقيقية تنطلق من الإنسان وإليه تعود.
في الختام، ليست المرحومة حليمة أبو دينار الشرقاوي مجرد اسم في سجل العمل الجمعوي أو الإعلامي، بل هي قصة امرأة آمنت بأن العطاء أسلوب حياة، وأن النضال لا يتجزأ. امرأة اختارت أن تكون أثرًا لا رقمًا، وأن تترك بصمة في ذاكرة وطن، يكتب تاريخه بأفعال أبنائه وبناته.
هي نموذج للمرأة المغربية التي تصنع الفرق، وتؤمن أن الطريق نحو المستقبل يبدأ بخطوة صادقة، ويتحول إلى مسار حين تحمله الإرادة، ويزهر حين يخدم الإنسان..


