تونس تحتفي بالكلمة: المعرض الدولي للكتاب يفتح أبوابه لربيع ثقافي نابض بالحياة، مشاركة حميد بركي

كتب : الجمعة، 01 مايو 2026 - 10:15 ص مجتمع

تحرير وإعداد: حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني: الأفق المغربي
منذ يوم 30 أبريل 2026، انطلقت فعاليات المعرض الدولي للكتاب بتونس، في واحدة من أبرز التظاهرات الثقافية التي تحوّلت مع مرور السنوات إلى موعد سنوي منتظر، وفضاء رحب تتقاطع فيه مسارات الفكر والإبداع. هنا، لا يقتصر الحضور على رفوف الكتب، بل يتجسد في لقاء حيّ بين الكتّاب والقرّاء، حيث تمتزج الكلمات بأنفاس الشغف الثقافي في مشهد نابض بالحياة.
وقد شهدت هذه الدورة إقبالًا واسعًا من مختلف الفئات، من طلبة وباحثين وعائلات، في دلالة واضحة على المكانة التي بات يحتلها هذا الحدث في الوعي الثقافي التونسي والعربي. فالمعرض لم يعد مجرد سوق للكتاب، بل صار تجربة ثقافية متكاملة تعكس تعطّش المجتمع للمعرفة والانفتاح.

ويتميّز المعرض هذا العام بتنوع برامجه وغنى محتواه، إذ يتجاوز حدود عرض الإصدارات الحديثة ليشمل سلسلة من الأنشطة الموازية التي تضفي عليه طابعًا تفاعليًا خاصًا. فقد برزت ورشات الأطفال كواحدة من أبرز المحطات، حيث استقطبت اهتمام الزوار بما قدمه تلاميذ المدارس والمعاهد من أعمال فنية وأدبية اتسمت بالعفوية والابتكار، عاكسة طاقات إبداعية واعدة ورؤى بريئة لعالم أكثر جمالًا.
أما على الصعيد الفكري، فقد تألقت الندوات واللقاءات التي احتضنتها أروقة اتحاد الكتاب التونسيين، إلى جانب فعاليات وزارة الشؤون الثقافية، حيث نُظمت جلسات حوارية وقراءات نقدية تناولت قضايا الأدب المعاصر، وتحولات الرواية العربية، وإشكاليات الكتابة بين المحلي والعالمي. وقد شكّلت هذه اللقاءات فضاءات حقيقية لتبادل الرؤى بين الأدباء والنقاد والجمهور، مما أضفى على المعرض بعدًا معرفيًا عميقًا.
وفي سياق متصل، كان للقاءات الأدبية حضور لافت، حيث أتيحت الفرصة للتواصل المباشر مع عدد من الأسماء النسائية البارزة في الساحة الأدبية، من بينهن ابتسام الخميري، وحبيبة محزي، وفاطمة الزهراء محمود سعدالله، اللواتي قدّمن من خلال تجاربهن رؤى غنية حول الكتابة الروائية، مؤكدات على قدرة الأدب في التعبير عن الذات ومساءلة الواقع، وصناعة جسور بين التجربة الفردية والهمّ الإنساني العام.
ولم يقتصر الحضور على المشهد التونسي، بل امتد ليشمل مشاركة عربية متميزة أضفت على المعرض بعدًا إقليميًا مهمًا، حيث حضر سمير البياتي، الذي قدّم قراءة معمقة في واقع صناعة النشر وتحدياتها، إلى جانب الشاعرة ليلى نسيمي، التي أضفت على الفعاليات لمسة شعرية رقيقة عكست تنوع التجارب الإبداعية العربية. هذا التلاقي بين الأصوات المختلفة أسهم في خلق حوار ثقافي غني، يعزز روح الانفتاح والتبادل بين البلدان..

كما احتضن اتحاد كتاب تونس سلسلة من المحاضرات والندوات الأكاديمية التي ناقشت قضايا متعددة، من النقد الأدبي إلى دور الثقافة في بناء الوعي المجتمعي، مرورًا بالتحديات التي يواجهها الكاتب العربي في ظل التحولات الرقمية المتسارعة. وقد فتحت هذه النقاشات آفاقًا جديدة للتفكير في مستقبل الأدب، مؤكدة على ضرورة مواكبة التغيرات دون التفريط في جوهر الإبداع.
ويزدان المعرض بحضور لافت لدور نشر محلية وعربية ودولية، تعرض أحدث إصداراتها في مجالات متنوعة تشمل الرواية، الشعر، الفكر، الفلسفة، وكتب الأطفال، ما يمنح الزائر فرصة استثنائية لاكتشاف عوالم معرفية جديدة، ويعزز ثقافة القراءة كركيزة أساسية في بناء المجتمعات.
إن المعرض الدولي للكتاب بتونس ليس مجرد تظاهرة ثقافية عابرة، بل هو فضاء حيّ تتجدد فيه العلاقة بين الكاتب والقارئ، وتتلاقح فيه الأفكار والتجارب. إنه احتفاء بالكلمة الحرة، وتكريس لمكانة تونس كمنارة ثقافية في العالم العربي، وجسر يربط بين مختلف التيارات الفكرية والإبداعية..

وفي ظل هذا الزخم الثقافي، يظل المعرض شاهدًا على حيوية المشهد الأدبي، وقدرته على الاستمرار والتجدد رغم كل التحديات، مؤكدًا أن الكتاب سيبقى دومًا نافذة مفتوحة على آفاق لا تنتهي، وأداة خالدة لصناعة الوعي وبناء الإنسان.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :