تحرير وإعداد حسن بوسرحان –
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي
في تجربة شعرية عميقة ومفعمة بالأسئلة الوجودية، تقدّم الشاعرة رشا محمد ديوانها “حين يهاجر الورد” كعمل أدبي يلامس جوهر الإنسان في علاقته بذاته وبالعالم، من خلال ما يمكن تسميته بـثلاثية الغياب: الغربة، الحب، والوطن. ثلاث حالات متداخلة تشكّل نسيج النصوص وتمنحها بعدها الإنساني العميق.

في هذا الديوان، لا يظهر الوطن كأرض فقط، بل كحالة وجدانية مركبة، كحنين دائم ووجع جميل يسكن الروح قبل المكان. تقول الشاعرة:
“الوطن ليس أرضًا فقط… بل وجع جميل.”
ومن هذا المنطلق، يصبح الحب هو الركيزة التي يتكئ عليها الوطن، كأنه امتداده العاطفي وملاذه الأخير، بينما تتجلى الغربة كأكثر من مجرد ابتعاد جغرافي، إذ تتحول إلى جغرافيا قلب منفي، تعيشها الذات حتى في حضرة الانتماء.
وتجسّد الشاعرة هذه الرؤية في صورة شعرية مكثفة تختزل روح الديوان:
“حين يهاجر الورد
تبكي الطيور حزنًا عليها
ترافقها إلى حدود الوطن
ترفّ بجناحيها علامة الوداع… وإلى اللقاء.”
هذه الصورة لا تقف عند حدود الجمال اللغوي، بل تعكس عمق الفكرة التي يقوم عليها الديوان؛ حيث يغدو الورد رمزًا للجمال حين يُغادر، والطيور شاهدة على لحظة الفقد، والوطن حدًّا فاصلاً بين البقاء والرحيل..

وفي حديثها عن خلفيات الكتابة، تشير الشاعرة إلى أن هذا العمل وُلد من لحظات شعرت فيها بأن المسافة بينها وبين الأشياء التي تحبها تكبر، فكان الشعر وسيلتها لاستعادتها وإعادة تشكيلها داخل النص.
تعتمد رشا محمد في هذا الديوان على الشعر الحر كخيار جمالي وفني، يمنحها مساحة واسعة للتعبير، بعيدًا عن القيود التقليدية، حيث تبحث عن إيقاعها الخاص داخل النص، وتتنقل بحرية بين حالات الحنين والانتماء والغياب.
كما تتقاطع تجربتها مع تأثيرات شعرية عربية بارزة، مثل محمود درويش في عمق تناوله لعلاقة الإنسان بالوطن، ونزار قباني في تجديد لغة الحب، غير أنها تحرص على أن يظل صوتها الشعري متفردًا، نابعًا من تجربتها الذاتية…

إن “حين يهاجر الورد” ليس مجرد ديوان عن الحنين، بل هو نص إنساني مفتوح على التأويل، يضع القارئ أمام أسئلة الانتماء والافتقاد، حيث يظل الوطن متكئًا على الحب، وتبقى الغربة تسكن القلب… كحقيقة صامتة، لكنها عميقة الحضور.

