من الدرهم إلى الدينار مرورًا باليورو: التبعية النقدية في المغرب العربي.

كتب : الأربعاء، 20 مايو 2026 - 12:01 ص مجتمع

اعداد للنشر حسن بوسرحان….
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي.
بقلم حميد بركي…
عند رحيلنا، أنا والصديق الشاعر محمد اللغافي، إلى تونس، استوقفتني مسألة بدت في ظاهرها عادية، لكنها تخفي وراءها دلالات اقتصادية وسياسية عميقة، فقد اضطررنا في مطار محمد الخامس إلى تحويل الدرهم المغربي إلى اليورو، ثم ما إن وصلنا إلى تونس حتى قمنا بتحويل اليورو إلى الدينار التونسي، وعند العودة تكرر المشهد بصورة معاكسة؛ إذ حُوِّل الدينار إلى اليورو، ثم اليورو إلى الدرهم المغربي، عندها بدا الأمر وكأن العملة الأوروبية هي الرابح الدائم في الاتجاهين معًا، بينما تظل العملات المغاربية عاجزة عن التعامل المباشر فيما بينها.
هذه التجربة البسيطة تكشف في حقيقتها عن موقع العملات المغاربية داخل النظام المالي العالمي، وعن استمرار التبعية النقدية والاقتصادية لدول المغرب العربي تجاه المراكز المالية الكبرى، خاصة الأوروبية، فالمسافر بين بلدين عربيين متجاورين جغرافيًا وثقافيًا يجد نفسه مضطرًا إلى المرور عبر “بوابة نقدية أوروبية”، وكأن التواصل الاقتصادي المباشر بين البلدين غير ممكن إلا بوساطة عملة أجنبية نافذة، ومن هنا يتضح أن المسألة انعكاس لبنية تاريخية واقتصادية تشكلت منذ الحقبة الاحتلالية، واستمرت بأشكال مختلفة حتى بعد الاستقلال السياسي.
في الاقتصاد السياسي لا تُفهم العملة باعتبارها مجرد وسيلة للتبادل، فهي أداة سيادة وقوة ونفوذ، فالعملات القوية تفرض حضورها في المبادلات الدولية لأنها تستند إلى اقتصادات منتجة ومؤسسات مالية عالمية وأسواق مؤثرة، بينما تبقى العملات المحلية محدودة التداول، مرتبطة بحدودها الوطنية، وعاجزة عن اكتساب الثقة الدولية الكافية لتتحول إلى وسيط إقليمي أو عالمي، ولهذا يصبح اليورو المستفيد الأكبر من كل عملية تحويل بين الدرهم المغربي والدينار التونسي، لأن الطلب عليه يظل ثابتًا بوصفه عملة مرجعية ووسيطًا مضمونًا، في حين تبقى العملات المغاربية رهينة الهامش.
إن اعتماد اليورو وسيطًا نقديًا بين بلدين مغاربيين يعكس، في جوهره، ضعف التكامل الاقتصادي الإقليمي، فالمغرب وتونس، رغم انتمائهما إلى فضاء حضاري وجغرافي واحد، لا يمتلكان سوقًا مالية مشتركة ولا نظامًا نقديًا يسمح بتداول مباشر وواسع بين عملتيهما، ويرتبط ذلك بضعف المبادلات التجارية البينية أصلًا، إذ إن اقتصادات المنطقة ما تزال مرتبطة بالسوق الأوروبية أكثر من ارتباطها بجوارها المغاربي، وهكذا يُعاد إنتاج منطق التبعية نفسه، حيث تبقى أوروبا مركزًا ماليًا واقتصاديًا حتى في المبادلات التي تتم بين الدول العربية ذاتها،
ومن منظور الاقتصاد السياسي النقدي، فإن هذه البنية تحقق مكاسب مستمرة للمراكز المالية الدولية؛ فكل عملية تحويل تمر عبر اليورو تعزز الطلب عليه، وتدعم مكانته العالمية، وتُدر أرباحًا للمصارف وأسواق الصرف والمؤسسات المالية المرتبطة به. وفي المقابل تتحمل الاقتصادات المحلية تكاليف التحويل وفروق أسعار الصرف، فضلًا عن استمرار اعتمادها البنيوي على العملات الأجنبية،
أما فكرة توحيد العملة في المغرب العربي، فهي تمثل نظريًا خطوة مهمة نحو تعزيز السيادة الاقتصادية وتقوية التكامل الإقليمي، فالعملة الموحدة من شأنها أن تقلل من تكاليف التحويل، وتشجع المبادلات التجارية البينية، وتخلق سوقًا مالية أوسع وأكثر استقرارًا، كما قد تمنح المنطقة قدرة تفاوضية أكبر داخل الاقتصاد العالمي، غير أن أي مشروع من هذا النوع يحتاج إلى شروط سياسية واقتصادية معقدة، أهمها وجود إرادة سياسية مشتركة، وتقارب في السياسات المالية والنقدية، إضافة إلى بناء مؤسسات إقليمية قوية وقاعدة إنتاجية متكاملة.
إن المعضلة الحقيقية في المغرب العربي تكمن في غياب مشروع تكامل اقتصادي فعلي يجعل من المنطقة فضاءً مترابطًا اقتصاديًا واستراتيجيًا، وما دامت اقتصادات دول المغرب العربي متجهة نحو الخارج أكثر من توجهها نحو بعضها البعض، فستظل العملات الأجنبية، وفي مقدمتها اليورو، المستفيد الأكبر من هذا التفكك، ومن هنا فإن قضية العملة ليست شأنًا ماليًا فحسب، فهي قضية علاقات القوة والسيادة والتبعية داخل النظام الاقتصادي العالمي.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :