من رحم اللون تولد الحكايات… سمية الدليمي ترسم وجع المرأة وتخلّد أنوثة لا تنكسر

كتب : الأربعاء، 27 مايو 2026 - 1:01 ص أنشطة ثقافية

إعداد وتحرير حسن بوسرحان………
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي……
في المشهد التشكيلي المغربي، حيث تتزاحم التجارب الفنية بحثاً عن التميز، تبرز الفنانة المغربية سمية الدليمي كاسم استثنائي استطاع أن يحول اللون إلى لغة إنسانية نابضة، وأن يجعل من اللوحة مساحة للاعتراف، والبوح، ومقاومة النسيان. إنها ليست مجرد فنانة تشكيلية ترسم الجمال، بل امرأة اختارت أن تواجه العالم بريشة تحمل ذاكرة النساء، وأحلامهن، وكسورهن الخفية.
منذ خطواتها الأولى داخل عالم الفن، بدت سمية الدليمي مختلفة عن السائد، فقد تعاملت مع اللوحة باعتبارها كائناً حياً، لا مجرد مساحة صامتة للألوان. كانت تؤمن أن الفن ليس ترفاً بصرياً، بل موقف إنساني ورسالة ثقافية قادرة على مساءلة الواقع وإعادة تشكيله. لهذا جاءت أعمالها مشبعة بالرموز والدلالات، متجاوزة حدود الزخرفة نحو عمق فلسفي وإنساني واضح.

رحلتها الفنية بدأت من شغف مبكر بالجمال والهوية، حيث تأثرت بتراث الشرق الأدنى وبالبيئة المغربية الغنية بالألوان والحكايات الشعبية. ومن هناك نسجت عالماً بصرياً خاصاً بها، عالم تتجاور فيه المرأة مع الضوء، والحلم مع الألم، والذاكرة مع المستقبل. في لوحاتها لا تظهر المرأة كعنصر جمالي فقط، بل ككيان روحي يحمل تاريخاً من الصبر والصمود والأسئلة المؤجلة.
عرفت الدليمي كيف تمنح اللون وظيفة تتجاوز البعد الجمالي، فالأزرق في أعمالها ليس مجرد لون بارد، بل نافذة على التأمل والحرية، والكستنائي يحمل دفء الأرض والحنين، بينما الأصفر يتحول إلى رمز للأمل والانبعاث. هذه الألوان تتحرك داخل اللوحة كما لو أنها شخصيات تروي قصصاً صامتة عن الإنسان، وعن المرأة تحديداً، وهي تواجه قلق الحياة وتحاول النجاة بالحلم.
ورغم تأثرها ببعض المدارس الفنية العالمية، وخاصة بأسلوب الفنان الفرنسي Henri Matisse، فإن سمية الدليمي استطاعت أن تصنع بصمتها الخاصة، بعيداً عن التقليد أو التكرار. فهي تميل إلى البساطة العميقة، حيث تبدو اللوحة سهلة في ظاهرها، لكنها تحمل طبقات من المعاني والتأويلات كلما اقترب المتلقي منها أكثر. لهذا يشعر المشاهد أمام أعمالها وكأنه يقرأ قصيدة بصرية مكتوبة بالألوان والخطوط.
وتكمن قوة تجربتها الفنية في قدرتها على الجمع بين الحس الأكاديمي والحرية الإبداعية. فإلى جانب كونها فنانة تشكيلية، تشغل سمية الدليمي منصب أستاذة جامعية، حيث تساهم في تكوين أجيال جديدة من الطلبة، ناقلة إليهم عشق الفن وأسئلته الكبرى. هذا التوازن بين الجامعة والمرسم منح تجربتها نضجاً خاصاً، وجعلها أكثر ارتباطاً بقضايا المجتمع والتحولات الثقافية التي يعيشها الإنسان المعاصر..

في أعمالها، تحضر المرأة المغربية والعربية كبطلة رئيسية، لا بوصفها ضحية، بل باعتبارها قوة قادرة على إعادة كتابة مصيرها. ترسمها الدليمي بعين عاشقة ومتمردة في الوقت ذاته، فتبدو المرأة داخل لوحاتها قوية رغم هشاشتها، حالمة رغم انكساراتها، ومضيئة حتى في أكثر اللحظات عتمة. ومن هنا تحولت لوحاتها إلى شهادات فنية عن الأنوثة في أعمق تجلياتها الإنسانية.
كما أن المتأمل في تجربتها يكتشف أن سمية الدليمي لا ترسم الواقع كما هو، بل كما تشعر به. إنها تمنح الأشياء روحاً أخرى، وتجعل من الفن مساحة للنجاة الداخلية. لذلك كثيراً ما تبدو لوحاتها أقرب إلى مرايا نفسية تعكس خوف الإنسان، شوقه، وحدته، ورغبته المستمرة في العثور على معنى للحياة.
وقد نجحت الدليمي عبر مسيرتها في أن تفرض حضورها داخل الساحة الفنية المغربية والعربية، بفضل أسلوبها المتفرد ورؤيتها التي تمزج بين الحداثة والجذور التراثية. فأعمالها لا تنفصل عن الهوية المغربية، لكنها في الوقت نفسه تمتلك بعداً إنسانياً عالمياً يجعلها قادرة على مخاطبة أي متلقٍ مهما اختلفت ثقافته.
إن الحديث عن سمية الدليمي هو حديث عن فنانة جعلت من اللون وطناً، ومن اللوحة سيرةً مفتوحة للمرأة والإنسان. هي فنانة لا تكتفي برسم الوجوه، بل ترسم ما وراءها من مشاعر وأسئلة وندوب خفية. ولذلك يمكن القول إن تجربتها الفنية ليست مجرد تجربة تشكيلية، بل مشروع إنساني كامل يسعى إلى إعادة اكتشاف الجمال وسط عالم مثقل بالتعب والضجيج.
وفي النهاية، تبقى سمية الدليمي واحدة من الأصوات الفنية النسائية التي استطاعت أن تحوّل الفن إلى شهادة حياة، وأن تجعل من كل لوحة نافذة نحو عالم أكثر دفئاً وصدقاً. إنها راوية حكايات بالألوان، وشاعرة ترسم بدلاً من أن تكتب، وتترك خلف كل عمل أثراً يشبه الهمس الطويل في ذاكرة المتلقي.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :