الفناتة التشكيلية ” رقية لگتور ” حين تتحول المعاناة إلى لوحات تنبض بالحياة

كتب : الجمعة، 29 مايو 2026 - 2:42 م أنشطة ثقافية, سيرة مبدع, نقد وتحليل

إعداد للنشر حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي .
بقلم : عبد السلام بازيد

ليست كل اللوحات مجرد ألوان معلقة على الجدران، فبعضها يحمل سيرة إنسان كاملة، ويختزن خلف ضربات الريشة حكايات من الصمت والألم والانتصار الخفي على الذات. هكذا تبدو تجربة الفنانة التشكيلية ” رقية لگتور “، ابنة مدينة إمنتانوت، المزدادة سنة 1996، والتي اختارت أن تواجه العالم بالألوان بعدما واجهته طويلا بالصمت.

فإن ” رقية لكتور ” ليست من أولئك الذين دخلوا الفن من أبواب الصدفة أو الرفاهية، بل جاءت إليه من ممرات داخلية معتمة، من طفولة وسمتها التأتأة والانطواء، ومن سنوات انقطاع عن الدراسة كادت تطفئ حلمها بالكامل، قبل أن تعود لتصنع من نفسها حكاية تستحق أن تروى.

فمنذ طفولتها، وجدت في الورقة البيضاء ملاذا هادئا من ضجيج العالم، فكانت الخربشات الأولى محاولة بريئة لفهم الذات، قبل أن تتحول مع الوقت إلى لغة كاملة للتعبير. وبين الواقعية والرومانسية، تشكل وعيها الفني متأثرة بالفن الكلاسيكي، وبالأعمال التي لا تكتفي بإبهار العين، بل تسعى إلى لمس الروح وطرح الأسئلة.

كما تؤمن ” رقية لكتور ” أن الفن ليس زينة بصرية فقط، بل رسالة أيضا. وحين تتحدث عن لوحة “آكلو البطاطا” لفان كوخ، لا تتوقف عند جمال التكوين، بل ترى فيها تصويرا عميقا لمعاناة الطبقة الكادحة. بالنسبة لها، يستطيع الفن أن يفضح الألم الإنساني بصمت أكثر بلاغة من الخطب والشعارات.

ورغم ذلك، لا تنكر الجانب الجمالي للفن، فهي ترى أن لوحات الطبيعة والثروات الحيوانية تحمل بدورها سحرا خاصا، وأن الجمال في حد ذاته قيمة تستحق الاحتفاء. ففي أعمالها، تبدو الحقيقة عنصرا أساسيا. فهي لا تميل إلى الزيف أو المبالغة، بل تحاول التقاط ما هو إنساني وعميق.

كما تستمد أفكارها من الواقع، من الشعور المفاجئ، من لحظة تأمل، أو من انفعال داخلي عابر يتحول فجأة إلى لوحة…….

وحين تسألها عن الألوان التي تشبهها، تبتسم وهي تتحدث عن اللون الخوخي أو السلموني، لما يحمله من هدوء ورقة، لكنها تعود لتكشف انجذابها الكبير إلى الأحمر الملكي، ذلك اللون الذي ترى فيه الجرأة والتمرد والخطورة، وكأنها تختصر شخصيتها الفنية بين النعومة والقوة.

غير أن الطريق نحو الفن لم يكن مفروشا بالألوان دائما. فالفنانة الشابة ترى أن المجتمع العربي ما يزال ينظر إلى اللوحة التشكيلية باعتبارها ترفا يخص الطبقات الميسورة، لا حاجة إنسانية وثقافية. كما تؤمن أن المرأة العربية ما تزال تواجه صعوبات مضاعفة داخل المجال الفني، بسبب النظرة الذكورية أحيانا، أو بفعل الإكراهات الاجتماعية والثقافية، خصوصا حين تكون الفنانة قادمة من وسط قروي أو هامشي.

وربما لهذا السبب تبدو لوحاتها محملة بكثير من الحس الإنساني والبحث عن الحرية. ففي إحدى لوحاتها المفضلة، تقدم الحرية باعتبارها حالة داخلية قبل أن تكون تحررا من القيود الخارجية. فالإنسان، في نظرها، يحتاج أولا إلى تحرير روحه من الخوف والقمع والانكسار، حتى يستطيع مواجهة العالم.

وفي عمل آخر، ترسم المرأة المغربية وهي تواجه المستعمر بقوة وشموخ، محتفظة بحشمتها وهويتها في آن واحد. صورة تختزل الكثير من الرمزية، حيث يتحول “اللحاف والسلاح” إلى معادلة تجمع بين الأصالة والمقاومة.
بعيدا عن الرسم، تبدو رقية عاشقة للرواية الفلسفية، لما تحمله من رمزية وأسئلة وجودية، كما ترتبط بالموسيقى بعلاقة وجدانية خاصة، إذ تستمع إلى مختلف الأنواع الموسيقية، مؤمنة أن الفن في النهاية لغة واحدة مهما اختلفت أشكاله.

اليوم، تواصل الفنانة الشابة بناء مشروعها الفني بخطوات هادئة لكنها واثقة، وتشتغل على تطوير معرض “باب لبلاليع”، إلى جانب تنسيق فضاء “36 Art Gallery”، رغبة منها في خلق مساحة تحتضن المواهب الفنية بمدينة تارودانت، وتمنح الفنانين الشباب فرصة للظهور.

وربما أجمل ما قالته رقية في هذا اللقاء، جملة تختصر فلسفتها كاملة “على الإنسان أن يحفر في أعماقه ليجد أثمن ما فيه، ثم يصقله ليترك بصمة جميلة في العالم”.

وهذا بالضبط ما تفعله ” رقية لگتور ” فهي لا ترسم اللوحات فقط، بل تعيد ترميم ذاتها بالألوان، وتحول هشاشتها القديمة إلى قوة فنية قادرة على ملامسة الآخرين بصمت عميق وجميل.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :