اسطورة الكهف

كتب : السبت، 30 مايو 2026 - 9:30 ص مجتمع

تحرير حميد بركي
إعداد للنشر حسن بوسرحان..
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي
أسطورة الكهف من أشهر الأمثلة الفلسفية التي قدمها أفلاطون في الكتاب السابع من الجمهورية، وقد وظفها لشرح العلاقة بين المعرفة والحقيقة وطبيعة الوجود الإنساني، وتصور الأسطورة مجموعة من الأشخاص يعيشون داخل كهف مظلم منذ ولادتهم، مقيدين بالسلاسل بحيث لا يستطيعون الالتفات أو رؤية ما يقع خلفهم، ولا يشاهدون سوى ظلال تنعكس على جدار أمامهم نتيجة نار مشتعلة خلفهم وأشياء تمر بين النار والسجناء، وبسبب جهلهم بالعالم الخارجي يعتقدون أن تلك الظلال هي الحقيقة الكاملة والوحيدة التي يمكن إدراكها¹.
وتتابع الأسطورة وصفها بخروج أحد السجناء من الكهف بعد تحرره من قيوده، فيرى النار أولاً ثم يخرج إلى العالم الخارجي، حيث يواجه ضوء الشمس ويكتشف الأشياء الحقيقية التي كانت الظلال مجرد انعكاس لها، وبعد أن يعتاد النظر إلى النور يدرك أن ما كان يراه في الكهف لم يكن إلا صوراً ناقصة للحقيقة² ويُجسد هذا التحول رحلة الإنسان من الجهل إلى المعرفة، ومن الاعتماد على الحواس إلى إدراك الحقائق العقلية العليا – ثم يعود السجين المتحرر إلى الكهف ليخبر رفاقه بما شاهده خارجاً، إلا أنهم يرفضون تصديقه ويسخرون منه، وهم ينظرون إلى أفكاره بوصفها تهديداً لما اعتادوا اعتباره حقيقة. ومن خلال هذا المشهد يبين أفلاطون الصعوبة التي يواجهها صاحب المعرفة عندما يحاول تغيير المعتقدات الراسخة في المجتمع³
وقد فسر الفلاسفة هذه الأسطورة باعتبارها تصويراً رمزياً للواقع الإنساني؛ فالكهف يرمز إلى العالم المحسوس، والظلال ترمز إلى المعرفة الحسية المحدودة، أما العالم الخارجي فيمثل عالم الحقائق الثابتة أو عالم المُثُل، ويرى أفلاطون أن الفيلسوف هو الذي يرتقي من إدراك المظاهر إلى معرفة الجواهر، ثم يعود لتعليم الآخرين وإرشادهم إلى الحقيقة⁴ وفي هذا السياق يذكر جميل صليبا أن النفس الإنسانية تشبه السجين المقيد داخل الكهف؛ إذ لا ترى الأشياء الحقيقية، فتظنها حقائق قائمة بذاتها، ولذلك فإن الكهف يرمز إلى العالم المحسوس، والظلال إلى المعرفة الحسية، أما الأشياء الحقيقية التي تُحدث تلك الظلال فهي المُثُل التي تشكل أساس الوجود والمعرفة⁵

الهوامش
¹ Amy, Trumpeter, “The Allegory of The Cave by Plato: Summary and Meaning”، 12 Aug 2024.
² Oliver Tearle, “A Summary and Analysis of Plato’s Allegory of the Cave”.
³ أفلاطون، الجمهورية، الكتاب السابع.
⁴ بكري علاء الدين، “أفلاطون”، الموسوعة العربية، هيئة الموسوعة العربية، دمشق.
⁵ جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج2، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982م، ص 246-247.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :