لحظات في ذاكرة الأدب.. بين شرعية الشكل وشعرية النص: لماذا يتجدد الهجوم على الشعر الحر وقصيدة النثر؟ الكتابة

كتب : السبت، 20 يونيو 2026 - 10:41 م لحظات في ذاكرة الأدب, نقد وتحليل

محمد احمد طالبي ………..
إعداد للنشر حسن بوسرحان….
الموقع الإليكتروني الأفق المغربي.

منذ بدايات القرن العشرين، لم يعرف الأدب العربي معركة نقدية استمرت بالحدة نفسها التي عرفها الجدل حول الأشكال الشعرية الحديثة. فكلما ظن المتابعون أن مسألة شرعية الشعر الحر أو قصيدة النثر قد حُسمت إبداعيا ونقديا، عاد الجدل من جديد في صورة أكثر حدة، وكأن الثقافة العربية ما تزال تعيد طرح السؤال ذاته: ما الشعر؟ ومن يملك حق تعريفه؟
في السنوات الأخيرة، برزت موجة جديدة من الخطابات التي تهاجم الشعر الحر وقصيدة النثر، وتدعو إلى استعادة القصيدة العمودية بوصفها النموذج الأصيل للشعر العربي. وقد وجدت هذه المواقف صدى واسعا في بعض الأوساط الثقافية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت النقاشات الأدبية أحيانا إلى نوع من الاستقطاب الحاد بين أنصار “التراث” وأنصار “الحداثة”، وبين المدافعين عن الوزن والقافية والمدافعين عن حرية الشكل.
غير أن القراءة النقدية المتأنية تكشف أن جوهر المشكلة لا يتعلق بالشكل الشعري في ذاته، بل بطريقة النظر إلى الشعر بوصفه هوية مغلقة لا تجربة جمالية متجددة.
لقد نشأت القصيدة العربية العمودية داخل شروط تاريخية وثقافية معينة، واستطاعت عبر قرون طويلة أن تنتج نماذج خالدة من الإبداع. لكن هذا الامتداد التاريخي لا يمنحها احتكارا أبديا لمفهوم الشعر. فالشعر العربي نفسه عرف تحولات متعاقبة في اللغة والرؤية والبناء والصور والأساليب. وما الشعر الحر إلا إحدى هذه التحولات الكبرى التي حاولت إعادة بناء العلاقة بين الإيقاع والتجربة الإنسانية، بينما جاءت قصيدة النثر لاحقا لتوسّع مفهوم الشعرية خارج الحدود العروضية التقليدية.
وإذا كان من حق النقاد أن يناقشوا القيمة الفنية لهذه الأشكال الجديدة، فإن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش من مساءلة النصوص إلى محاكمة الأشكال نفسها. فالكثير من الخطابات الرافضة لقصيدة النثر مثلا لا تنطلق من تحليل جمالي للنصوص، بل من افتراض مسبق مفاده أن غياب الوزن كاف لنفي صفة الشعر عنها. وهنا يصبح الحكم سابقا على القراءة، وتتحول القناعة الشخصية إلى معيار نقدي مطلق.
والواقع أن تاريخ الأدب لا يؤيد مثل هذه الأحكام القطعية. فالقيمة الشعرية لم تكن يوما رهينة الوزن وحده، كما أن الوزن لم يكن ضمانة تلقائية لإنتاج الشعر. كم من قصيدة موزونة لا تتجاوز حدود النظم البارد، وكم من نص حديث استطاع أن يفتح آفاقا جديدة للخيال واللغة والرؤية. إن الفرق الحقيقي ليس بين نص موزون وآخر غير موزون، بل بين نص يمتلك كثافته الشعرية ونص يفتقدها.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن جزءا من الهجوم الراهن على قصيدة النثر يجد مبرراته في ظواهر سلبية صاحبت انتشارها. فقد أدى غياب المعايير النقدية الصارمة في بعض السياقات إلى نشر نصوص ضعيفة فنيا تحت مسمى قصيدة النثر، الأمر الذي دفع كثيرين إلى الخلط بين ضعف بعض التجارب وبين طبيعة الشكل نفسه. وهنا وقع خطأ مزدوج: فمن جهة جرى التساهل مع نصوص لا تحقق الحد الأدنى من الشعرية، ومن جهة أخرى جرى تعميم الحكم على جنس أدبي كامل بسبب نماذج محدودة أو متواضعة.
لكن الظاهرة الأخطر تتمثل في انتقال النقاش من المجال النقدي إلى المجال الهوياتي. فبدلا من السؤال عن جودة النص، أصبح السؤال يدور حول انتمائه الشكلي. وبدلا من تقييم التجربة الإبداعية، صار الانحياز للشكل يسبق الحكم الجمالي. وهكذا نشأ نوع من “التعصب الشعري” الذي لا يختلف كثيرا عن أشكال التعصب الأخرى؛ إذ ينطلق من الإيمان بامتلاك الحقيقة النهائية، ويرفض الاعتراف بشرعية الاختلاف.
واللافت أن هذا التعصب لا يقتصر على طرف واحد. فكما نجد من يرفض قصيدة النثر رفضا مطلقا، نجد أيضا من يتعامل مع القصيدة العمودية باعتبارها شكلا من الماضي لا يستحق الالتفات إليه. وفي الحالتين يغيب الوعي بأن الأشكال الأدبية ليست كيانات متصارعة، بل إمكانات مختلفة للتعبير عن التجربة الإنسانية.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل النقد المعاصر ليس: هل القصيدة موزونة أم لا؟ بل: ماذا أضاف هذا النص إلى اللغة؟ وكيف بنى رؤيته للعالم؟ وما مقدار الطاقة التخييلية التي يمتلكها؟ وما الأثر الجمالي والمعرفي الذي يخلفه في القارئ؟
فالشعر، في نهاية المطاف، لا يُختزل في هندسة الشكل، بل يتحقق في قدرته على خلق الدهشة وإعادة اكتشاف العالم. والقصيدة العظيمة يمكن أن تولد داخل العمود الخليلي، كما يمكن أن تولد داخل التفعيلة أو قصيدة النثر. أما الرداءة فهي قادرة على ارتداء جميع الأشكال دون استثناء.
لذلك فإن مستقبل الشعر العربي لا يكمن في الانتصار لشكل على حساب آخر، بل في الانتصار للشعر نفسه. فالأدب لا يتقدم بالمحاكمات الشكلية ولا بحروب التصنيف، وإنما يتقدم بالنصوص القادرة على توسيع حدود الحساسية الإنسانية وإثراء أفق اللغة. وعندما نعود إلى هذا المعيار، سنكتشف أن السؤال الحقيقي لم يكن يوماً: أي الأشكال أحق بالبقاء؟ بل: أي النصوص أكثر قدرة على أن تصبح شعرا.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :