F2إعداد وتحرير: حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني: الأفق المغربي
في واحدة من أجمل الليالي الثقافية التي احتضنتها مدينة الدار البيضاء خلال هذه السنة، تحول المركب الثقافي أنفا، مساء الأحد 21 نونبر 2026، إلى فضاء نابض بالإبداع والجمال، حيث التأمت نخبة من الشعراء والفنانين والمثقفين والإعلاميين وعشاق الفن الأصيل في أمسية طربية شعرية راقية، جسدت المعنى الحقيقي للثقافة الهادفة، وأكدت أن المغرب ما يزال يزخر برجال ونساء يحملون رسالة الفن النبيل بكل صدق وإخلاص….

هذه التظاهرة الرفيعة، التي أبدعت في تنظيمها جمعية نبرات للموسيقى وجمعية فن وثقافة بلا حدود البلجيكية، كانت نموذجاً يحتذى به في حسن التنظيم، ودقة البرمجة، ورقي الاستقبال، لتبرهن الجمعيتان مرة أخرى أنهما من بين الهيئات الثقافية التي تؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً، بل رسالة إنسانية سامية وجسر للتواصل بين الشعوب ومحبة الإنسان…

ومنذ اللحظات الأولى، شعر الحاضرون أنهم أمام أمسية استثنائية بكل المقاييس، حيث امتزجت القصيدة بالموسيقى، والكلمة بالوفاء، والتكريم بالمحبة، في لوحة فنية رسمت الابتسامة على وجوه الجميع، وتركت أثراً جميلاً في نفوس كل من تابع تفاصيلها.
وكان نجم الأمسية بلا منازع الشاعر الجزار الأنيق، الذي قدم درساً راقياً في الإبداع والوفاء والتواضع. فقد أمتع الحضور بقصائد تنبض بالإحساس، بعضها ألقاها بصوته المؤثر، وأخرى عُرضت عبر أشرطة مصورة، فكان لكل قصيدة وقعها الخاص وتصفيقها المستحق، مؤكداً أنه شاعر يمتلك الكلمة الهادفة، والحضور الآسر، والقدرة على ملامسة الوجدان…

ولم يكتف الجزار الأنيق بإبداعه الشعري، بل قدم درساً إنسانياً سيظل عالقاً في ذاكرة كل من حضر، حين انحنى وجلس أمام أستاذه المكرم قائلاً: “إذا قال الشاعر: قم للمعلم، فأنا أنحني وأجلس أمامك إجلالاً وتكريماً لك.” لحظة مؤثرة جسدت أسمى معاني الوفاء ورد الجميل، واستحقت أن تكون من أروع مشاهد الأمسية.
كما حضرت روح الفنان الكبير المرحوم عبد الوهاب الدكالي، في وجدان الجميع، من خلال استحضار مسيرته الفنية الثرية والترحم عليه، في مبادرة نبيلة أبرزت عمق العلاقة التي كانت تجمعه بالشاعر الجزار الأنيق، لتضيف للأمسية بعداً إنسانياً وثقافياً مؤثراً…..

وشهد الحفل كذلك تكريم نخبة من القامات التي قدمت خدمات جليلة للثقافة والفن والتعليم والتنشيط، يتقدمهم الشاعر اسماعيل زوريق، إلى جانب شخصيات أخرى تستحق كل التقدير والاحترام، في مبادرة تؤكد أن ثقافة الاعتراف أصبحت جزءاً أصيلاً من هوية هذا الموعد الثقافي.
أما التنشيط، فقد حمل توقيع الأستاذ جواد مرزوق، الذي أدار فقرات الحفل باقتدار كبير، مستثمراً خبرته وأسلوبه الراقي في تقديم أمسية متوازنة حافظت على رونقها من البداية إلى النهاية، ونالت استحسان جميع الحاضرين….

ولم تكن الأغاني الملتزمة والقطع الصوفية مجرد فقرات فنية، بل كانت رسائل حب وسلام وجمال، أعادت إلى الأذهان زمن الفن الراقي الذي يخاطب العقل والروح معاً، وهو ما جعل الجمهور يعيش لحظات من الإنصات والتفاعل والتقدير.
لقد أثبتت جمعية نبرات للموسيقى وجمعية فن وثقافة بلا حدود البلجيكية أن النجاح لا يأتي صدفة، بل هو ثمرة رؤية ثقافية واضحة، وعمل جماعي منظم، وإيمان راسخ بأن الثقافة قادرة على بناء الإنسان وترسيخ قيم المحبة والوفاء والجمال…

وبكل موضوعية، يمكن القول إن هذه الأمسية كانت من أنجح التظاهرات الثقافية التي احتضنها المركب الثقافي أنفا، سواء من حيث جودة التنظيم، أو قيمة الضيوف، أو مستوى الفقرات، أو حجم الحضور النوعي الذي ضم نخبة من المثقفين والفنانين والإعلاميين والفاعلين الجمعويين…

وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نرفع أسمى عبارات التهنئة والتقدير للشاعر الجزار الأنيق، الذي قدم أمسية ستظل محفورة في ذاكرة كل من حضر، كما نحيي بحرارة جمعية نبرات للموسيقى وجمعية فن وثقافة بلا حدود البلجيكية على هذا الإنجاز الثقافي الكبير، وكل المشاركين والمكرمين والمنظمين الذين ساهموا في إنجاح هذا العرس الفني الرفيع، مؤكدين أن الثقافة المغربية لا تزال بخير ما دام فيها رجال ونساء يصنعون هذا الجمال، ويؤمنون بأن الكلمة الراقية واللحن الأصيل هما أجمل ما يمكن أن يُهدى للإنسان.
.



