قراءة في قصيدة الشاعر والإعلامي محمود النجار

كتب : الخميس، 09 يوليو 2026 - 10:19 م سلسلة مجرد رأي, نقد وتحليل

بقلم: الناقد- حميد بركي
إعداد للنشر حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي..

صبٌّ أشقاهُ توقُّدُهُ
فبكى من صَدٍّ يُكمِدُهُ
لا شيءَ لديه يُؤمِّلُهُ
بغدٍ، فالهجرُ يُسَهِّدٌهُ
أعياهُ الشوقُ، وأتلفَهُ
إذْ مدَّ يدًا رَعَشَتْ يدُهُ

دَقتْ أغصانُ تلهُّفِهِ
والوجْهُ سلاهُ تَوَرُّدُهُ
لم تَشفعْ فيهِ مدامعُهُ
أو يشفعْ فيهِ تَنَهُّدُهُ
ما كانَ يظُنُّ بأنّ لهُ
قلبًا يُعْيـيهِ ويُجهِدُهُ
وبأنّ الصبرَ غدا عَدَمًا
وذوى في الدمعِ تَجَلُّدُهُ
عيناهُ إذا نَظرتْ أسَرَتْ
وتُذيبُ الصّخرَ وتُجْمِدُهُ
إنْ نام فجفنٌ ذو أرقٍ
يخشى أني أترصَّدُهُ
ولَماهُ إذا مُسَّتْ هَلَعَتْ
كالطيرِ يداكَ تُشَرِّدُهُ
وتَخالُ رُضاباً في فمهِ
شَهدًا والقبلةُ عَسجدُهُ
خداهُ رحيقٌ مِن زَهَرٍ
تشتاقُ اللَّثمَ وتَجحدُهُ
رحماكَ كفى ما بُؤتُ بِهِ
في الحبِّ وأنتَ تُعَقِّدُهُ
ما كنتُ أُرَجّي منْ غَدِهِ
ما كانَ يبعثرُهٌ غَدُهُ
لو كنتُ أطيقُ بَكَرتُ لهُ
وأقمتُ عليهِ أهدهِدُهُ
هَشَّتْ شفتايَ لطلَّتِهِ
وظننتُ البسمة تُسعِدُهُ
فاستعلى ثم مضى طَرِبًا
بدلالٍ قدْ يتعَمَّدُهُ
لكأنَّ الريحَ تَرِفُّ بهِ
كالطيرِ فيحلو مَشهَدُهُ
فتزيد له أنّاتُ دمي
لَهَفًا ويزيدُ تشدُّدُهُ
وأسائلُ نفسي منْ ألمٍ
وضلوعي شوقًا تَنْشُدُهُ :
مالي والحُبّ يُعذِّبُني
بغزالٍ رُحْتُ أمَجِّدُهُ
لم أفتحْ بابًا لُذْتُ بهِ
إلا ألفيتُكَ توصِدُهُ
رحماكَ فلم أتركْ سببًا
إلا كالطفلِ تُفَنِّدُهُ
أإياسٌ منكَ بلا أملٍ؟
أم فألٌ فيكَ أُجَدِّدُهُ؟
دَنِفًا أشكوكَ فجُدْ بهوىً
لفؤادٍ ليتكَ تُبرِدُهُ
.
في هذه القصيدة بما عليه من معارضة لقصيدة الحصري القيرواني( ياليل الصب متى غده ) وهي التي سبق ان عارضها 140 شاعرا ،من بينهم أحمد شوقي، حيث يبرز الجانب الصوتي بوضوح، إذ إن اختيار الحروف أسهم في تشكيل الإيقاع النفسي للقصيدة، وقد نجد الحروف المجهورة هي الغالبة على نسيج النص، ولا سيما: الباء، الدال، الجيم، الراء، الزاي، الضاد، الظاء، العين، الغين، اللام، الميم، النون، الواو، الياء، والقاف. يظهر أثرها في كلمات مثل: صبّ، أشقاه، توقده، بكى، يُكمده، الشوق، أتلفه، رعشت، مدامعه، تجهده، تجلده، عسجده، رحيق، لهفًا، يعذبني. هذه الأصوات تمنح القصيدة قوةً ورنينًا داخليًا يناسب انفعال العاشق، وتجعل الإيقاع ممتلئًا بالامتلاء النفسي والحرارة الوجدانية.
أما الحروف المهموسة، وهي: الفاء، الحاء، الهاء، السين، الشين، الصاد، الكاف، التاء، الثاء، والخاء، فقد حضرت بكثرة أيضًا في ألفاظ مثل: توقده، الشوق، تلهفه، تشفع، تنهده، الصبر، أسرت، تشرده، تشتاق، الحب، شوقًا، توصده، تبرده. وتؤدي هذه الأصوات وظيفةً تعبيرية؛ إذ توحي بالهمس، والزفرات، والأنين، والتنهد، فتنسجم مع جو الشكوى والوجد الذي يسود القصيدة.
وتبرز الحروف الذلقية، وهي: الراء، اللام، النون، الفاء، الباء، الميم، في معظم الأبيات حتى تكاد تكون العمود الصوتي للنص. ويتجلى ذلك في ألفاظ مثل: صبّ، بكى، لديه، يؤمله، مدّ، رعشت، مدامعه، قلبًا، تجلده، رضابًا، رحيق، البسمة، الريح، لهفًا، الحب، بابًا، سببًا، تبرده. وكثرة هذه الحروف أكسبت القصيدة سهولة في الجريان وعذوبة في النطق، لأن الحروف الذلقية بطبيعتها سريعة المخارج وخفيفة على اللسان، ولذلك كثيرًا ما تكثر في الشعر الغنائي.
ومن الناحية الإيقاعية، فإن اجتماع الجهر والهمس والذلاقة أحدث توازنًا صوتيًا واضحًا، فالحروف المجهورة منحت الأبيات قوةً وامتلاءً، والحروف المهموسة بثّت فيها نبرة الحزن والأنين، بينما أضفت الحروف الذلقية سلاسةً وانسيابًا، فبدت الموسيقى الداخلية منسجمة مع الحالة النفسية، ويزيد من هذا الأثر التزام القافية الموحدة بـ الهاء المضمومة (ـهُ)، وهي قافية رخوة لينة، يتكرر صداها في نهاية كل بيت كأنه زفرة متجددة، فتغدو الموسيقى جزءًا من التعبير عن اللوعة لا مجرد عنصر وزني. ولهذا جاء إيقاع القصيدة متدفقًا، يجمع بين الجزالة والعذوبة، ويعكس اضطراب العاشق بين الأمل واليأس في نسق صوتي متماسك.
وأضيف إلى ما سبق أن من أبرز خصائص القصيدة أنها تسير في منحنى شعوري متصاعد، فهي تبدأ بوصف حالة العاشق، ثم تنتقل إلى وصف أثر المحبوب، ثم إلى الشكوى، ثم إلى الاستعطاف، وأخيرًا إلى الحيرة بين اليأس والرجاء، هذا التسلسل يمنح النص وحدة نفسية، فلا يبدو مجموعة أبيات متفرقة، فهي تجربة واحدة تنمو حتى تبلغ ذروتها، ويُلاحظ أيضًا حضور الأفعال المضارعة بكثرة: يُكمده، يُسهده، يؤمله، يجهده، يُعذبني، تُفنده… وهذا الاختيار موفق؛ لأن المضارع يوحي باستمرار المعاناة وتجددها، وكأن الحب يتكرر مع كل يوم، ومن الجوانب الجميلة الاعتماد على المفارقة، مثل:
وتذيب الصخر وتجمده
فالجمع بين ضدين يمنح الصورة قوة ويعكس اضطراب العاشق؛ إذ يصبح المحبوب قادرًا على كل شيء في نظره، وكذلك قولك:
ما كان يظن بأن له
قلبًا يُعييه ويُجهده
ففيه انتقال من اليقين إلى الاكتشاف المؤلم، وهي لحظة نفسية صادقة.
ومع ذلك، تميل القصيدة أحيانًا إلى الإكثار من الألفاظ التي تدور في حقل دلالي واحد؛ كالدمع، والشوق، والأنين، والتلهف، والوجد، والهجر. ولو استُبدل بعض هذه المواضع بصور جديدة أو مشاهد أكثر تجسيدًا، لازداد الأثر الفني، فالشعر يبلغ ذروته حين يُري القارئ الألم ولا يكتفي بتسميته، ومن جهة الموسيقى، فإن الوزن والقافية يمنحان النص انسيابًا واضحًا، وتكرار ضمير الغائب المتصل (ـه) في أواخر الأبيات صنع نغمة حزينة متواصلة، وكأن هذا الضمير نفسه يرمز إلى المحبوب الذي يظل حاضرًا في نهاية كل بيت، وهذه ملاحظة فنية لطيفة تُحسب للنص،
أما على مستوى التأثر بالتراث، فتظهر في القصيدة روح الشعر العربي الكلاسيكي، ولا سيما في العناية بجزالة اللفظ، ووصف محاسن المحبوب، وكثرة الشكوى، مع حضور واضح لنَفَس العباسيين ومن جاء بعدهم في الغزل العفيف، غير أن القصيدة تستفيد من ذلك الميراث مع احتفاظها بصوتها الخاص، وأرى أن أقوى ما في النص هو صدقه العاطفي؛ إذ لا تبدو الصور متكلفة ولا الألفاظ مصنوعة لإظهار البلاغة، وإنما جاءت البلاغة في خدمة الشعور، وهذا هو الفارق بين القصيدة التي تُقرأ بإعجاب، والقصيدة التي تُحَسُّ قبل أن تُفهم،

حميد بركي

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :