حين تعبر القصيدة حدود الجغرافيا.:من منظور الشاعرة رشا محمد

كتب : الثلاثاء، 21 يوليو 2026 - 1:25 م لحظات في ذاكرة الأدب

حوار وتحرير محمد احمد طالبي…
اعداد للنشر حسن بوسرحان ….
الموقع الإليكتروني الافق المغربي…
في المشهد الثقافي العربي، تظل التجارب التي تعبر حدود الجغرافيا وتؤسس انتماءها في فضاء اللغة والإبداع أكثر قدرة على إثارة الأسئلة العميقة حول الهوية والكتابة والإنسان. والشاعرة رشا محمد تمثل واحدة من هذه التجارب؛ فقد حملت معها ذاكرة المشرق السوري، وعانقت وجدان المغرب حتى صار الوطن لديها تجربة إنسانية تتجاوز المكان، وتغدو القصيدة فضاء رحبا للحوار بين الثقافات والقيم والجمال.
في هذا اللقاء، لا نسعى إلى استعادة محطات السيرة الذاتية بقدر ما نروم الاقتراب من الرؤية الشعرية والفكرية التي تشكّل عالمها الإبداعي، والوقوف عند أسئلتها حول الوطن واللغة والإنسان، وعلاقتها بالمشهد الثقافي العربي. إنه حوار يطمح إلى أن يقرأ ما وراء النص، وأن ينصت إلى الشاعرة وهي تكشف بعضًا من أسرار الكتابة، وما تخبئه القصيدة من أسئلة لا تنتهي.
ـــــــــــــــــــــــــ Racha Mohamed
قبل أن أجيب عن هذه الأسئلة أود أن أتوجه بجزيل الشكر والتقدير للأستاذ الكريم محمد أحمد طالبي على هذا الحوار الملهم وعلى الأسئلة التي لم تكتفِ بمقاربة تجربتي الشعرية بل حاولت أن تلامس رؤيتي للإنسان والوطن، واللغة والحياة.
لقد شعرت وأنا أقرأ هذه الأسئلة أنني أمام محاور مثقف يدرك أن الحوار الحقيقي ليس استنطاقا للإجابات بل هو رحلة لاكتشاف ما وراء النصوص. وهذا ما منحني رغبة صادقة في التأمل قبل الإجابة
فلكَ مني خالص الشكر والامتنان، وللقراء الكرام محبتي على أمل أن يجدوا في هذا الحوار ما يقرّبهم أكثر من تجربتي الشعرية والإنسانية.

الهوية والانتماء
— ولدتِ في سوريا وعشتِ أكثر من ثلاثة عقود في المغرب فهل تشعرين اليوم أنك تكتبين من وطنين أم من وطن شعري ثالث لا تحده الجغرافيا؟

وُلدتُ في سوريا وهناك تشكّلت ذاكرتي الأولى وتعلّمت الإصغاء إلى اللغة قبل أن أتعلم الكتابة حملتُ منها رائحة الياسمين، وصوت البحر ودفء البيوت وكل ما يصنع الملامح الأولى للإنسان ثم جاءت الحياة لتمنحني وطنًا آخر هو المغرب الذي لم يكن بالنسبة إليّ مجرد بلد أقمت فيه، بل فضاءً إنسانيًا وثقافيًا احتضنني ورافق نضجي، وشارك في تشكيل تجربتي الشعرية.
لذلك لا أشعر أنني أكتب من وطنين متقابلين بل من تجربة إنسانية جمعت بينهما. فسوريا منحتني الجذور والمغرب منحني امتداد الأغصان وبين الجذور والأغصان وُلدت قصيدتي وبعد أكثر من خمسة وثلاثين عامًا في المغرب لم يعد الأمر يتعلق ببلد أقمت فيه بل بوطن أحببته، وعشت تفاصيله، وصار جزءًا من وجداني كما أصبحتُ جزءًا من نسيجه الإنساني والثقافي.
وربما لهذا أشعر أن القصيدة نفسها أصبحت وطنًا ثالثًا وطنًا لا تعنيه الحدود بل تعنيه التجربة الإنسانية. ففي الشعر لا أسأل من أين يأتي الإنسان بل ماذا يحمل في قلبه وما الذي استطاع أن يحفظه من إنسانيته وسط كل ما يعبر به من تحولات.
لقد علمتني الحياة أن الأوطان الحقيقية لا تتزاحم داخل القلب بل تتحاور وأن الشاعر كلما اتسعت تجربته اتسع وطنه أيضًا.
لذلك أقول : الوطن الحقيقي هو المكان الذي لا يغادرنا حتى عندما نغادره.

– ماذا بقي في رشا من سوريا؟ وماذا أضاف إليها المغرب حتى أصبحت القصيدة تتكلم بلهجتين روحيتين؟

بقيت في داخلي سوريا بكل تفاصيلها التي لا يراها إلا القلب رائحة الطفولة ودفء العائلة وصوت البحر ولهفة البدايات واللغة التي سمعت بها أول حكاية وأول قصيدة هذه الأشياء لا تغادر الإنسان مهما ابتعد بل تتحول مع الزمن إلى جزء من روحه، ومن طريقته في النظر إلى العالم.

أما المغرب فقد منحني أكثر من مكان أعيش فيه منحني أفقًا إنسانيًا وثقافيًا رحبًا، وعلّمني أن الانتماء لا يُقاس بمكان الميلاد وحده، بل بما نبنيه من محبة ووفاء وعلاقات صادقة. هنا عشت سنوات طويلة، كوّنت فيها صداقات وشاركت في الحياة الثقافية ونضجت تجربتي الشعرية والإنسانية، حتى أصبح المغرب جزءًا من تكويني لا مجرد محطة في حياتي.
لهذا لا أقول إن قصيدتي تتكلم بلهجتين بل بروحين تتكاملان روح حملت من سوريا الذاكرة والحنين وروح تعلّمت في المغرب أن ترى التنوع ثراءً وأن تجعل من الاختلاف جسرًا للتقارب لا سببًا للتباعد.
وأعتقد أن أجمل ما منحني إياه البلدان معًا هو الإيمان بأن الإنسان يستطيع أن يحب أكثر من وطن دون أن ينتقص ذلك من صدقه تجاه أيٍّ منهما.
فأنا أعتقد بأن الهجرة لا تُعلِّم الإنسان كيف ينسى وطنه بل كيف يُوسِّع قلبه ليُحب أكثر من وطن.

– هل يمكن للهوية أن تكون إضافةً لا بديلاً؟ وكيف تصالحين بين الانتماء الأول والانتماء المكتسب دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟

أؤمن أن الهوية ليست شيئًا جامدًا نولد به ثم يبقى على حاله بل هي تجربة تنمو معنا وتتسع كلما اتسعت خبراتنا الإنسانية وما نضيفه إلى هويتنا لا ينبغي أن يكون على حساب جذورنا بل امتدادًا لها فالإنسان لا يفقد نفسه حين يتعرف إلى الآخر، وإنما يكتشف أبعادًا جديدة في ذاته.

لم أشعر يومًا أن عليّ أن أختار بين سوريا والمغرب، لأن المحبة لا تعرف منطق المفاضلة سوريا هي الذاكرة الأولى والمغرب هو الذاكرة التي كبرت معها. الأولى منحتني البدايات، والثاني منحني مساحة واسعة من الحياة والعمل والإبداع وكلتاهما تسكنانني بطريقة مختلفة دون أن تلغي إحداهما الأخرى.

لقد علمتني الهجرة أن الانتماء الحقيقي لا يقوم على الإقصاء بل على الاحتواء وأن القلب كلما ازداد محبة، ازداد اتساعًا لذلك أرى أن الهوية الحقيقية هي تلك التي تعرف كيف تحفظ جذورها وتفتح في الوقت نفسه نوافذها للضوء.
الهوية لا تكتمل بما نستبعده من ذواتنا، بل بما نضيفه إليها من تجارب إنسانية صادقة.

– إلى أي حدّ غيّرت الهجرة مفهومك للوطن؟ وهل أصبح الوطن مكانًا أم ذاكرة أم لغة؟

أظن أن الهجرة من أكثر التجارب التي تعيد تشكيل علاقتنا بالأشياء وفي مقدمتها الوطن قبلها كنت أراه المكان الذي وُلدت فيه والشوارع التي حفظت خطواتي والوجوه التي كبرت بينها لكن مع مرور السنوات أدركت أن الوطن أكبر من الجغرافيا وأنه يعيش في الإنسان بقدر ما يعيش الإنسان فيه.
أصبح الوطن بالنسبة إليّ ذاكرةً ولغةً أحملها معي أينما ذهبت وقيمًا أحرص على ألا أفقدها مهما تبدلت الأمكنة كما أصبح أيضًا كل مكان منحني شعورًا بالأمان وكل أرض احتضنت أحلامي وكل إنسان منحني إحساسًا بأنني لست غريبة.
لهذا لم تعد الهجرة بالنسبة إليّ تجربة فقدٍ فقط بل أصبحت أيضًا تجربة اكتشاف اكتشاف أن الإنسان يستطيع أن يحمل وطنه في قلبه وأن يبني جسورًا من المحبة مع وطن آخر دون أن يخون الأول أو ينساه.

وربما كان أجمل ما تعلمته أن الأوطان لا تتنافس داخل الروح بل تتكامل وأن الانتماء الحقيقي لا يقاس بالمسافات وإنما بعمق الوفاء.

الشعر بوصفه رؤية

– قلتِ إنك تصغين إلى الإنسان في لحظات انكساره وقوته… لماذا الإنسان الجريح هو الأقرب إلى القصيدة؟

لأن الجرح هو اللحظة التي يسقط فيها كل ما هو زائف ويقف الإنسان أمام نفسه كما هو، دون أقنعة في لحظات القوة قد ينجح في إخفاء هشاشته أما في لحظات الانكسار فإنه يصبح أكثر صدقًا وأكثر قدرة على الإصغاء إلى صوته الداخلي والشعر في جوهره، لا يبحث عن الإنسان الكامل بل عن الإنسان الحقيقي.

لكنني لا أكتب الجرح بوصفه قدرًا ولا أحتفي بالألم لذاته، بل أكتب الإنسان وهو يحاول أن يتجاوز انكساره، وأن يجد في العتمة نافذة للضوء فما يعنيني ليس لحظة السقوط وإنما القدرة على النهوض بعدها لأنني أؤمن أن أجمل ما في الإنسان ليس أنه لا ينكسر بل أنه يظل قادرًا على ترميم روحه.
وربما لهذا تحضر في قصائدي مساحات من الألم، لكنها لا تنتهي عنده بل تحاول دائمًا أن تترك للقارئ شيئًا من الرجاء لأن الشعر في نظري لا يزيد العالم حزنًا بل يساعدنا على احتمال أحزانه.
فالقصيدة لا تُولد من الألم وحده بل من قدرة الإنسان على تحويل ألمه إلى معنى.

– هل تكتبين القصيدة لتقولي ما تعرفينه، أم لتكتشفي ما لم تكوني تعرفينه؟

أغلب قصائدي تبدأ بسؤال لا بإجابة لذلك أشعر أنني أكتب لأكتشف أكثر مما أكتب لأقول ما أعرفه كثيرًا ما أبدأ بصورة أو إحساس عابر ثم تقودني القصيدة إلى أماكن لم أكن أعرف أنها تسكنني.
الكتابة بالنسبة إليّ رحلة اكتشاف للنفس وللعالم. وأحيانًا بعد أن أنتهي من القصيدة أعود إليها كقارئة فأكتشف فيها ما لم أكن واعية به لحظة الكتابة وهذا ما يجعل الشعر تجربة لا تنتهي لأنه لا يمنحني يقينًا، بل يفتح أمامي أسئلة جديدة.
ربما لهذا السبب ما زلت أكتب لأن القصيدة لا تقدم لي الأجوبة بل تعلمني كيف أطرح الأسئلة بصدق وكيف أظل منفتحة على الدهشة فالدهشة هي بداية كل إبداع.

– ما الذي يمكن للشعر أن يفعله اليوم في عالم يزداد ضجيجًا ويقل فيه الإصغاء؟

ربما لم يعد الشعر يملك التأثير المباشر الذي كان يملكه في أزمنة سابقة لكنني لا أعتقد أنه فقد ضرورته. على العكس كلما ازداد العالم ضجيجًا ازدادت حاجتنا إلى صوت هادئ يعيد الإنسان إلى نفسه.
الشعر لا ينافس وسائل الإعلام، ولا يسابق الأخبار لأنه يعمل في منطقة أخرى هي منطقة الوجدان إنه يعلّمنا الإصغاء في زمن يكثر فيه الكلام ويمنحنا فرصة للتأمل في زمن يركض فيه الجميع دون أن يتوقفوا ليسألوا أنفسهم إلى أين يمضون.
قد لا يستطيع الشعر أن يوقف حربًا أو يغيّر واقعًا سياسيًا لكنه يستطيع أن يمنع قلبًا من أن يتحول إلى ساحة حرب وأن يحافظ على شعلة التعاطف والجمال في داخل الإنسان وهذا في رأيي أثر بالغ الأهمية.
لذلك كلما ازداد العالم ضجيجًا ازدادت حاجتنا إلى القصيدة لأنها المكان الذي نستعيد فيه قدرتنا على الإصغاء.

– هل تؤمنين أن الشعر ما يزال قادرًا على تغيير الإنسان، أم أن مهمته أصبحت مجرد حفظ ما تبقى من إنسانيتنا؟

لا أعرف إن كان الشعر قادرًا على تغيير العالم لكنني أؤمن أنه قادر على تغيير الإنسان وربما يبدأ كل تغيير حقيقي من هناك. فالقصيدة لا تفرض الأفكار ولا تصدر الأحكام، لكنها تفتح نافذة يرى الإنسان من خلالها نفسه والآخرين بطريقة مختلفة.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، وتصبح القسوة أمرًا مألوفًا، أرى أن الشعر يؤدي مهمة نبيلة، وهي أن يحافظ على حساسية الإنسان تجاه الألم والجمال معًا. إنه يذكرنا بأننا لسنا أرقامًا أو أخبارًا عابرة بل كائنات لها ذاكرة ومشاعر وأحلام.
ولهذا لا أرى أن مهمة الشعر قد تقلصت بل ربما أصبحت أكثر أهمية فإذا استطاع أن يحفظ في داخلنا شيئًا من الرحمة، وشيئًا من الدهشة، وشيئًا من الأمل فقد أدى رسالته بأجمل صورة.
فالشعر لا يغيّر العالم دفعةً واحدة، لكنه قد يغيّر القلب الذي سيغيّر العالم يومًا ما.

– متى تشعرين أن القصيدة اكتملت؟ عندما تنتهين من كتابتها أم عندما تتخلى عنك؟

لا أشعر أن القصيدة تكتمل بمجرد أن أضع النقطة الأخيرة كثيرًا ما أعود إليها أراجعها وأحذف منها أكثر مما أضيف لأنني أؤمن أن النضج في الكتابة لا يكون بكثرة الكلمات بل بالقدرة على الاستغناء عما لا ضرورة له.
لكن تأتي لحظة أشعر فيها أن القصيدة لم تعد تحتاج إليّ وأن أي تعديل بعدها لن يزيدها عمقًا بل قد ينتقص من عفويتها عندها أتركها تمضي كما تترك الأم ابنها يخرج إلى الحياة وهو يدرك أن عليه أن يخوض تجربته بنفسه.
وبعد نشرها تبدأ حياة أخرى لا أملكها أنا بل يملكها القارئ فكل قراءة تمنح القصيدة معنى جديدًا وربما اكتشف بعض القراء فيها ما لم أكن أراه أنا أثناء الكتابة وهذا في رأيي من أجمل أسرار الشعر لأنه يظل حيًا ما دام قادرًا على أن يولد من جديد في وجدان كل قارئ.
فحين تصبح القصيدة قادرة على الوقوف وحدها أمام القارئ أعرف أن دوري قد انتهى وأن دورها قد بدأ.

اللغة والجمال

– أنتِ تؤمنين بأن الاعتناء باللغة هو اعتناء بالهوية… فهل اللغة اليوم في خطر، أم أن الخطر في طريقة تعاملنا معها؟

لا أعتقد أن اللغة العربية في خطر فهي لغة استطاعت عبر قرون طويلة أن تحمل حضارةً كاملة وأن تستوعب الفكر والشعر والفلسفة والعلوم ولذلك فهي أقوى من أن تهددها مرحلة عابرة ما يقلقني أكثر هو الطريقة التي نتعامل بها معها فاللغة لا تضعف من ذاتها وإنما تضعف حين نهملها أو نتعامل معها بوصفها وسيلةً سريعة للتواصل لا بوصفها بيتًا للمعنى والجمال.
اللغة بالنسبة إليّ ليست مجرد كلمات نرتبها في جملة بل هي الذاكرة التي نحملها والهوية التي نعبر بها عن أنفسنا، والجسر الذي يصلنا بتاريخنا وثقافتنا. وكلما اعتنينا باللغة كنا في الحقيقة نعتني بجزء عميق من ذواتنا.
وأنا لا أدعو إلى لغة متكلفة أو معقدة بل إلى لغة حية جميلة وقادرة على أن تصل إلى القارئ دون أن تتخلى عن أصالتها فاللغة التي تعيش هي التي تعرف كيف تحافظ على جذورها وفي الوقت نفسه تظل منفتحة على نبض العصر.
فاللغة ليست وعاءً للفكرة بل هي جزءٌ من ولادتها.

– كيف تنظرين إلى العلاقة بين جمال اللغة وصدق التجربة؟ أيهما يقود الآخر؟

أرى أن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا علاقة أسبقية. فالتجربة الصادقة تبحث بطبيعتها عن لغة تليق بها واللغة الجميلة لا تستطيع أن تمنح الحياة لتجربة فارغة قد تبهرنا البلاغة للحظة، لكنها لا تبقى إذا لم يكن وراءها إحساس حقيقي.
حين أكتب لا أفكر في صناعة جملة جميلة بقدر ما أفكر في العثور على الكلمة التي تبدو وكأنها وُلدت في مكانها الطبيعي وقد أقضي وقتًا طويلًا أبدل كلمة بكلمة ليس لأنها أكثر فصاحة بل لأنها أكثر صدقًا.
الجمال في الشعر ليس زينة نضيفها إلى المعنى بل هو الطريقة التي يتجلى بها هذا المعنى. ولذلك أؤمن أن اللغة حين تصدر عن تجربة صادقة فإنها تجد جمالها تلقائيًا دون حاجة إلى استعراض بلاغي.
فأنا أقول :الكلمة الجميلة ليست تلك التي تُدهشنا بل تلك التي تُشبه الحقيقة حين تُقال.

– هل تخاف القصيدة من البساطة أم من البلاغة الزائدة؟

القصيدة لا تخاف البساطة بل تخاف السطحية. وهناك فرق كبير بين لغة بسيطة تصل إلى القلب ولغة فقيرة لا تحمل إلا معناها المباشر. كثير من أعظم القصائد تبدو لأول وهلة سهلة لكن كل قراءة جديدة تكشف فيها طبقة أخرى من المعنى.
أما البلاغة فهي نعمة حين تخدم التجربة لكنها تصبح عبئًا حين تتحول إلى غاية في ذاتها. فالشاعر لا يكتب ليُظهر قدرته على صناعة الصور، وإنما ليمنح القارئ تجربة إنسانية صادقة.
لهذا أميل إلى اللغة التي تترك أثرها بهدوء دون ضجيج فالقصيدة لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها حتى تُسمَع بل تحتاج إلى أن تلامس القلب لأن ما يصل إلى القلب يبقى وما يبهر العين وحدها يبهت سريعًا.

البساطة ليست نقيض العمق بل قد تكون أعمق طرق الوصول إليه.

– ما الكلمة التي ما تزال القصيدة العربية عاجزة عن قولها؟

لا أظن أن هناك كلمة تعجز عنها القصيدة العربية، فهي لغة واسعة قادرة على احتضان أدق المشاعر وأعمق الأفكار لكنني أعتقد أن التحدي الحقيقي ليس في العثور على كلمات جديدة، بل في أن نمنح الكلمات القديمة حياةً جديدة.
لقد كُتب عن الحب كثيرًا وعن الوطن والحرية والحنين، والإنسان لكن كل شاعر حقيقي يأتي ليقول هذه المعاني بطريقة لم تُقل من قبل فليست قيمة الشعر في الموضوع وإنما في الرؤية التي ينظر بها إلى هذا الموضوع.
وربما لهذا السبب لا أشغل نفسي بالبحث عن كلمة لم تُكتب بل أبحث عن صدق يجعل الكلمة المألوفة تبدو وكأنها تولد للمرة الأولى فالشعر لا يضيف كلمات إلى اللغة بل يضيف إليها حياةً جديدة.

ليست هناك كلمات استنفدت معناها، بل هناك دائمًا شاعر قادر على أن يمنحها قلبًا جديدًا.

ديوان «حين يهاجر الورد»

– عنوان ديوانك يثير سؤالًا وجوديًا: لماذا يهاجر الورد؟ وهل كان الورد هو الإنسان أم الوطن أم الحلم؟

حين اخترت عنوان «حين يهاجر الورد» لم أكن أبحث عن عنوان يثير الفضول بقدر ما كنت أبحث عن عنوان يختصر روح التجربة فالورد بالنسبة إليّ لم يكن رمزًا لشيء واحد بل لكل ما هو جميل وهش في الوقت نفسه قد يكون الإنسان وقد يكون الوطن وقد يكون الحلم وقد تكون البراءة التي نحاول أن نحميها من قسوة العالم.
الهجرة في العنوان ليست انتقالًا جغرافيًا فقط بل هي كل رحلة يضطر فيها الإنسان إلى مغادرة شيء كان جزءًا من روحه قد نهاجر مكانًا وقد نهاجر زمنًا وقد نهاجر أنفسنا القديمة بعد تجربة غيّرتنا إلى الأبد.
أحب أن أترك الرمز مفتوحًا، لأنني لا أؤمن بالمعنى الواحد في الشعر فالقصيدة تكتمل حين يجد كل قارئ فيها شيئًا من حكايته وحين يصبح الورد الذي قصدته أنا وردته هو أيضًا.
فأنا أرى أن كل قصيدة صادقة هي محاولة صغيرة لإنقاذ شيء جميل من النسيان.

– هل اخترتِ هذا العنوان قبل كتابة القصائد أم أنه وُلد منها؟

العنوان جاء في نهاية الرحلة ولم يكن في بدايتها. كتبت القصائد أولًا ثم شعرت بعد اكتمالها أن بينها خيطًا خفيًا يجمعها وأنها على اختلاف موضوعاتها تدور حول فكرة الفقد، والتحول والبحث عن الجمال وسط ما يتغير في حياتنا.
عندما ظهر عنوان «حين يهاجر الورد» شعرت أنه لم يأتِ من خارج الديوان بل خرج من قلبه وكأنه كان ينتظر اكتمال التجربة حتى يكشف عن نفسه.
ولهذا لم أشعر يومًا أنني اخترت العنوان بل أشعر أنه هو الذي اختار الديوان لأنه استطاع أن يلخص حالته الشعورية دون أن يشرحها وأن يترك للقارئ مساحة للتأويل، وهي مساحة أحب أن تبقى دائمًا في الشعر.

– بعد صدور الديوان هل اكتشفتِ أن القارئ قرأه بطريقة لم تتوقعيها؟

وهذا من أجمل ما منحني إياه الديوان كنت أظن أن بعض القصائد ستقود القراء إلى معانٍ محددة، لكنني فوجئت بأن كل قارئ وجد فيها بابًا مختلفًا للدخول.
هناك من قرأ الديوان بوصفه كتابًا عن الغربة، وآخرون رأوه ديوان حب وبعضهم وجد فيه تأملًا في الإنسان والذاكرة والزمن عندها أدركت أن القصيدة بعد أن تُنشر لا تعود ملكًا للشاعر وحده بل تصبح جزءًا من تجربة القارئ أيضًا.
أسعدني هذا التعدد في القراءات لأنه أكد لي أن النص الصادق لا يفرض معنى واحدًا بل يظل قادرًا على أن يمنح كل قارئ مساحة يرى فيها شيئًا من نفسه.
وربما كانت هذه هي الحياة الثانية للقصيدة الحياة التي تبدأ بعد أن تغادر يد كاتبها.
لذلك حين يقرأ القارئ القصيدة بصدق فإنه لا يفسرها فقط بل يضيف إليها جزءًا من حياته.

– لو أعدتِ كتابة الديوان اليوم، هل سيظل يحمل الاسم نفسه ؟

أعتقد أن الزمن يغيّر الكاتب ويمنحه رؤية أكثر اتساعًا ولذلك من الطبيعي أن أشعر اليوم بأنني قد أكتب بعض القصائد بطريقة مختلفة أو أن أنظر إلى بعض التفاصيل من زاوية أخرى لكن، رغم ذلك لا أظن أنني سأختار عنوانًا غير «حين يهاجر الورد».
أذكر أنني دخلت في حوار جميل مع الناشر الأستاذ طارق السليكي، حول هذا العنوان كان لكل منا وجهة نظره، أما أنا فكنت أشعر بيقين داخلي أن هذا العنوان هو الأكثر تعبيرًا عن روح الديوان، لذلك تمسكت به لا بدافع العناد وإنما لأنني كنت أرى أنه يختصر التجربة كلها وأنه سيظل يرافق القارئ منذ اللحظة الأولى.
والأمر نفسه حدث مع الغلاف فقد كنت حريصة على أن يكون امتدادًا بصريًا للعنوان لا مجرد واجهة للكتاب كنت أؤمن أن الغلاف هو أول قصيدة يقرأها القارئ بعينيه ولذلك رغبت أن يعكس الحالة الشعورية للديوان وأن ينسجم مع رمزيته ورؤيته.
وفي المقابل لا يسعني هنا إلا أن أتوجه بالشكر والتقدير إلى الأستاذ طارق السليكي، الذي أعتز بثقته وبحسه الثقافي الرفيع فهو ليس ناشرًا يكتفي بإصدار الكتب بل مثقف يؤمن بالكاتب وبالنص ويمنح الحوار الإبداعي مساحته، ويحرص على أن يخرج العمل بأفضل صورة ممكنة وهذه الروح الداعمة هي ما يحتاجه كل كاتب لأنها تقوم على الشراكة والاحترام قبل أي شيء آخر.
واليوم بعد صدور الديوان أشعر أن ذلك الحوار كان جزءًا من ولادة الكتاب وأن العنوان والغلاف أصبحا معًا جزءًا من هويته حتى إنني لا أستطيع أن أتخيل أحدهما بعيدًا عن الآخر.
فأنا أؤمن أن الكتاب يبدأ قبل الصفحة الأولى يبدأ من عنوان يفتح باب التأويل، ومن غلاف يدعو القارئ إلى العبور.

المرأة والكتابة

– هل تشعر الشاعرة العربية اليوم أنها تُقرأ بوصفها شاعرة، أم بوصفها امرأة تكتب الشعر؟

أعتقد أننا قطعنا شوطًا مهمًا في حضور المرأة داخل المشهد الثقافي لكن الطريق ما زال يحتاج إلى مزيد من الوعي فما زالت بعض القراءات تنطلق من هوية الكاتب قبل أن تنطلق من النص نفسه بينما أؤمن أن القصيدة هي التي ينبغي أن تتقدم أولًا ثم يأتي اسم صاحبها بعد ذلك.
أنا لا أكتب لأثبت أن المرأة قادرة على كتابة الشعر، فقد أثبتت الشاعرات العربيات ذلك منذ زمن وقدمن منجزًا أدبيًا لا يمكن تجاوزه ما يشغلني هو أن أكتب نصًا صادقًا يحمل رؤيتي للإنسان والحياة، وأن يُقرأ هذا النص بمعاييره الفنية والفكرية لا باعتبار كاتبه رجلًا أو امرأة.
وحين يبلغ النص درجة من الصدق والجمال يصبح قادرًا على تجاوز كل التصنيفات لأن الإبداع الحقيقي لا يعرف جنسًا بل يعرف القيمة.
فالقصيدة لا تُعرّف نفسها بجنس كاتبها بل بصدقها وجمالها.

– ما الذي لا تزال المرأة العربية تحاول أن تقوله شعريًا ولم يُسمع بعد؟

أظن أن المرأة العربية قالت الكثير لكنها لم تُسمَع دائمًا بالقدر الذي تستحقه لا لأن صوتها كان ضعيفًا بل لأن الإصغاء لم يكن دائمًا عادلًا
لذلك أعتقد أن أجمل ما يمكن أن تضيفه المرأة إلى الشعر هو أن تكتب ذاتها بحرية بعيدًا عن القوالب الجاهزة وأن تعبّر عن رؤيتها للعالم بوصفها إنسانًا كاملًا لا مجرد موضوع للكتابة أو رمزًا في قصيدة.
وحين تكتب المرأة بصدق فإنها لا تدافع عن نفسها وحدها بل تدافع عن الإنسان لأن القضايا الكبرى في النهاية لا تخص الرجل أو المرأة وحدهما وإنما تخص الإنسان في جوهره.
كل صوت صادق يضيف إلى الشعر اتساعًا جديدًا للإنسان.

– هل الكتابة عند المرأة فعل مقاومة أم فعل حرية أم كلاهما معًا؟

أراها فعل حرية في المقام الأول لأن الكتابة لا يمكن أن تولد إلا في فضاء يشعر فيه الإنسان أنه قادر على أن يقول ما يؤمن به بصدق لكنها تصبح أيضًا فعل مقاومة حين تدافع عن الكرامة والجمال والحق في الاختلاف وحق الإنسان في أن يكون صوته مسموعًا.
والمقاومة في نظري، ليست دائمًا صاخبة فقد تكون قصيدة تحفظ ذاكرة من النسيان، أو كلمة تمنح الأمل لقلب يائس أو موقفًا أخلاقيًا يرفض القسوة دون أن يرفع الشعارات.
لهذا لا أفصل بين الحرية والمقاومة لأن الكتابة الصادقة تجمعهما معًا. فهي تحرر الكاتب من صمته، وتمنح القارئ مساحة أوسع للتأمل والحلم.
فأنا أؤمن أن الجمال ليس ترفًا بل ضرورة إنسانية فحين يضيق العالم تظل القصيدة نافذةً يدخل منها الضوء.

المشهد الثقافي

– شاركتِ في مهرجانات كثيرة… هل ما زالت المهرجانات تصنع شعراء، أم أنها أصبحت تصنع مناسبات؟

لا أعتقد أن المهرجانات تصنع شاعرًا، فالشاعر تصنعه تجربته وقراءاته وصدق صوته وما يختزنه من رؤية للحياة لكن المهرجانات حين تُحسن تنظيمها وتُبنى على مشروع ثقافي حقيقي تستطيع أن تصنع فضاءً للحوار وأن تفتح نوافذ للتعارف بين المبدعين وأن تقرّب الشعر من جمهوره.
أما إذا تحولت إلى مجرد مناسبات بروتوكولية أو اجتماعية فإن أثرها يبقى محدودًا مهما كان حجمها فالثقافة لا تُقاس بعدد المنصات بل بعمق ما تتركه من أثر في الوعي.
وقد أسعدتني مشاركاتي في عدد من الملتقيات والمعارض الثقافية لأنها منحتني فرصة اللقاء بكتّاب وقراء من ثقافات مختلفة وأكدت لي أن القصيدة تستطيع أن تبني جسورًا بين البشر مهما اختلفت لغاتهم وأوطانهم.
الثقافة لا تزدهر بكثرة المناسبات بل بعمق اللقاء الذي تخلقه بين الإنسان والكلمة.

– كيف تقيمين واقع الشعر العربي اليوم بين النشر الورقي ومنصات التواصل الاجتماعي؟

أرى أن لكل وسيلة دورها فما زال الكتاب الورقي يحتفظ بقيمته ورمزيته لأنه يمنح النص استقرارًا وحضورًا مختلفًا ويجعل العلاقة بين القارئ والكتاب أكثر عمقًا وتأملًا.
وفي المقابل فتحت منصات التواصل الاجتماعي أبوابًا واسعة أمام الشعر وقرّبته من أعداد كبيرة من القراء، وخاصة الشباب وهذا جانب إيجابي لا يمكن إنكاره لأنه منح كثيرًا من الأصوات فرصة للوصول.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وسيلة النشر، بل في جودة ما يُنشر فالمنصة قد توصل النص إلى آلاف القراء لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحه القيمة الأدبية هذه القيمة يصنعها النص نفسه، ويمنحها الزمن شرعيتها.
لذلك أرى أن العلاقة بين الورق والمنصات ليست علاقة تنافس بل علاقة تكامل متى حافظ الكاتب على احترامه للكلمة وأدرك أن سرعة الانتشار ليست دائمًا معيارًا للجودة.
الوسيلة قد تنشر القصيدة، لكن الذي يُبقيها حيّة هو صدقها.

– هل كثرة النشر دليل على ازدهار الشعر، أم على اتساع الفوضى؟

كثرة النشر في حد ذاتها ليست مشكلة، بل قد تكون مؤشرًا على اتساع الرغبة في الكتابة والتعبير وهذا أمر صحي لكن الازدهار الحقيقي لا يُقاس بالكم، وإنما بالنوع وبقدرة النصوص على أن تضيف شيئًا جديدًا إلى التجربة الشعرية.
في كل مرحلة تاريخية كانت هناك نصوص كثيرة لكن الزمن هو الذي كان ينتقي ما يستحق البقاء وأنا أؤمن أن القارئ الواعي والنقد الجاد سيظلان عنصرين أساسيين في تمييز التجارب الأصيلة من التجارب العابرة.
ولذلك لا أقلق من كثرة النشر بقدر ما أراهن على وعي الكاتب أولًا وعلى وعي القارئ ثانيًا لأنهما معًا يصنعان مستقبل الثقافة.
ليس المهم أن تُكتب قصائد كثيرة بل أن تبقى القصائد التي تستحق البقاء.

– ما الذي ينقص الحركة الثقافية العربية حتى تستعيد تأثيرها الحقيقي؟

أعتقد أن الحركة الثقافية العربية تمتلك طاقات كبيرة لكنها تحتاج إلى مشروع ثقافي طويل النفس يقوم على دعم القراءة والاهتمام بالتعليم وتشجيع الحوار وإعطاء المبدعين الحقيقيين المساحة التي يستحقونها.
كما أننا بحاجة إلى بناء جسور أقوى بين الأجيال، وبين المبدعين في مختلف البلدان العربية لأن الثقافة تزدهر بالتواصل لا بالعزلة وكلما تبادلنا الخبرات والتجارب ازدادت قدرتنا على إنتاج معرفة وإبداع أكثر عمقًا.
وأتمنى أيضًا أن يعود الكتاب إلى موقعه الطبيعي في حياة الناس وأن يصبح جزءًا من الحياة اليومية لأن المجتمع الذي يقرأ هو المجتمع الأكثر قدرة على حماية وعيه وصون إنسانيته وبناء مستقبله.
الثقافة لا تغيّر المجتمع بين ليلة وضحاها، لكنها تغيّر الإنسان والإنسان هو بداية كل تغيير .

القارئ والناقد

– لمن تكتب رشا محمد: للقارئ أم للقصيدة أم لذاكرتها الشخصية؟

أكتب أولًا لأن هناك شيئًا في داخلي لا يهدأ إلا إذا صار لغة لذلك لا أستطيع أن أفصل بين القارئ والقصيدة وذاكرتي لأنهم جميعًا يحضرون في لحظة الكتابة وإن بدرجات مختلفة.
تبدأ القصيدة من تجربة شخصية أو من سؤال يؤرقني لكنها لا تبقى أسيرة ذاتي أحاول دائمًا أن أكتب بطريقة تسمح للتجربة أن تتجاوزني وأن يجد القارئ فيها شيئًا يخصه هو أيضًا فحين تبقى القصيدة حبيسة صاحبها تفقد جزءًا من رسالتها.
لهذا أكتب انطلاقًا من ذاتي لكنني أتطلع إلى الإنسان أينما كان وأشعر أن أجمل ما يمكن أن يحدث للقصيدة هو أن يقرأها شخص لم يعرفني يومًا ثم يشعر أنها تروي شيئًا من حكايته.
لذلك حين يتعرف القارئ إلى نفسه في القصيدة، أعرف أن التجربة تجاوزت حدودي الشخصية.

– هل يخيفك النقد الحقيقي، أم تخيفك المجاملة؟

إذا كان النقد نزيهًا وعميقًا ومنطلقًا من قراءة واعية للنص فأنا أرحب به لأنه يفتح أمام الكاتب نوافذ جديدة لرؤية عمله فالكاتب مهما بلغت خبرته لا يرى كل ما في نصه وقد يكتشف من خلال الناقد ما لم يكن منتبهًا إليه.
أما المجاملة فهي لا تخدم الكاتب لأنها تمنحه شعورًا زائفًا بالاكتفاء والإبداع لا ينمو بالتصفيق وحده بل بالحوار وبالأسئلة وبالقدرة على مراجعة الذات.
لذلك أفضّل نقدًا صادقًا حتى وإن كان قاسيًا في بعض ملاحظاته، على ثناء لا يضيف إلى تجربتي شيئًا.
النقد الصادق مرآة أما المجاملة فستار يحجب الحقيقة.

– هل مرّت بك لحظة شعرتِ فيها أن قارئًا فهم قصيدتك أكثر منك؟

نعم، وحدث ذلك أكثر من مرة وكانت من أكثر اللحظات إدهاشًا بالنسبة إليًّ فبعد نشر القصيدة لم تعد ملكًا لي وحدي بل أصبحت تعيش حياة أخرى في وجدان القراء.
أحيانًا يكتب إليّ قارئ تفسيرًا أو يلفت انتباهي إلى دلالة لم أكن أقصدها بشكل واعٍ أثناء الكتابة فأجد نفسي أقرأ النص بعين جديدة عندها أدرك أن الشعر أوسع من نية الشاعر وأن القصيدة الصادقة تظل قادرة على إنتاج معانٍ جديدة مع كل قراءة.
وهذا لا يعني أن القارئ فهمني أكثر مما فهمت نفسي بل يعني أن النص أصبح مساحة مشتركة بيننا وأن كل قارئ يضيء فيه زاوية مختلفة وهذا من أجمل أسرار الأدب.
حين تغادر القصيدة يد شاعرها تبدأ رحلتها الحقيقية في قلوب قرائها.

أسئلة خارج المألوف

– لو خُيّرتِ بين أن تُنسَب إليك قصيدة عظيمة أو فكرة غيّرت حياة إنسان فأيهما تختارين؟

أختار فكرةً غيّرت حياة إنسان لأن القيمة الحقيقية لأي إبداع لا تكمن في شهرته بل في أثره قد تبقى القصيدة في الذاكرة لجمالها لكن ما يسعدني أكثر هو أن تترك كلمةٌ كتبتها أثرًا طيبًا في قلب إنسان أو تمنحه أملًا أو تساعده على أن يرى الحياة من نافذة أكثر اتساعًا.
في النهاية لا أبحث عن الخلود الأدبي بقدر ما أبحث عن الصدق وإذا استطاعت قصيدة أن تضيء عتمة شخص واحد فأعتقد أنها حققت شيئًا يستحق الامتنان.
أجمل القصائد ليست تلك التي تُصفَّق لها، بل تلك التي تُغيِّر شيئًا في روح قارئها.

– ما أكثر سؤال تتمنين أن يُطرح عليك ولم يسألك أحد عنه حتى الآن؟

ربما كنتُ أتمنى أن يسألني أحد: بعد كل هذه الرحلة… هل تصالحتِ مع الغربة؟
لأن هذا السؤال لا يتعلق بالمكان وحده بل بكل ما تفعله الغربة في الإنسان فهي ليست دائمًا ابتعادًا عن وطن بل قد تكون ابتعادًا عن زمن أو عن أشخاص أحببناهم أو حتى عن نسخةٍ قديمةٍ من أنفسنا.
ولو طُرح عليّ هذا السؤال لقلت إن الغربة لا تنتهي، لكنها تتغيّر في بداياتها تؤلم ثم تتحول إلى ذاكرة ثم تصبح جزءًا من تكويننا الإنساني وربما كان الشعر هو المصالحة الأجمل معها فمن خلاله اكتشفت أن الإنسان يستطيع أن يحمل أوطانه في قلبه وأن يجعل من الكلمة بيتًا لا يرحل عنه.

– لو جلستِ اليوم أمام رشا محمد في بداياتها، فما النصيحة الوحيدة التي ستهمسين بها إليها؟

سأهمس لها: لا تستعجلي الاعتراف ولا تخافي من بطء الطريق.
اقرئي أكثر وتأملي أكثر واكتبي أقل لكن اكتبي ما يشبهك لا تكتبي لتُرضي أحدًا ولا لتشبهي أحدًا فلكل شاعر صوته وأجمل الأصوات هي تلك التي لا تستعير نبرتها من غيرها.
وسأقول لها أيضًا: حافظي على دهشتك لأن الشاعر حين يفقد دهشته يفقد أحد أهم أسباب الكتابة.
“الشعر الحقيقي لا يصل متأخرًا بل يصل في وقته”

– ما الشيء الذي فقدته رشا وكسبته القصيدة؟

ربما فقدتُ أوهامًا كثيرة لكنني كسبتُ الإنسان
كل تجربة عشتها وكل غربة وكل لقاء، وكل فقد جعلني أقترب أكثر من الإنسان وأفهم هشاشته وقوته ضعفه وشجاعته وما يخفيه قلبه أكثر مما تقوله كلماته.
لقد علّمتني القصيدة أن الإصغاء أعمق من الكلام وأن التعاطف شكلٌ من أشكال المعرفة وأن الإنسان مهما اختلفت أوطانه وثقافاته يبقى متشابهًا في أحلامه وفي خوفه وفي حاجته إلى المحبة.
إذا كانت الحياة قد أخذت مني شيئًا فإن القصيدة أعادت إليّ أشياء لا تُقدَّر بثمن منحتني قلبًا أكثر اتساعًا وإيمانًا أعمق بأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تترك أثرًا يبقى حتى بعد أن يغيب صاحبها.

– إذا كانت حياتك قصيدة فما عنوانها؟

ربما سأختار لها عنوانًا هو:
“وأمضي… ويزهر الأثر”
لأنني لا أؤمن أن قيمة الإنسان تُقاس بعدد السنوات التي عاشها ولا بعدد الكتب التي كتبها بل بما يتركه من أثر طيب في القلوب.
لقد كانت رحلتي بين أوطان وتجارب ووجوه كثيرة لكنها كانت في جوهرها رحلة بحث عن الإنسان وعن الكلمة التي تحفظ الذاكرة وتزرع الأمل وتقاوم النسيان.
وأتمنى حين أمضي أن يبقى من قصائدي ما يجعل قارئًا يشعر بأنه أقل وحدة وأكثر إيمانًا بأن الجمال يستحق أن يُحافَظ عليه.

– هل يمكن أن يخون الشاعر قصيدته؟ وكيف يحدث ذلك؟

نعم يحدث ذلك حين يكتب ما لا يؤمن به أو حين يجعل القصيدة وسيلةً للشهرة لا مساحةً للحقيقة.
ويخونها أيضًا حين يكرر نفسه خوفًا من المغامرة أو يساوم على صدقه ليكسب تصفيقًا عابرًا فالقصيدة لا تطلب من شاعرها أن يكون كاملًا لكنها تطلب منه أن يكون صادقًا.
وأعتقد أن القارئ قد ينسى قصيدةً جميلة لكنه لا ينسى قصيدةً صادقة لأن الصدق هو الروح التي تمنح الكلمات حياتها.
حين يغيب الصدق تبقى الكلمات… وتغيب القصيدة.

– أيهما أكثر قسوة: أن يعجز الشاعر عن الكتابة أم أن يكتب ولا يجد من يقرأه؟

العجز عن الكتابة مؤلم لأنه يشبه الصمت الذي يفرض نفسه على الروح لكن أن يكتب الشاعر ولا يجد من يقرأه فهو شعور بالوحدة.
ومع ذلك أظن أن القسوة الحقيقية ليست في الأمرين معًا بل في أن يفقد الشاعر إيمانه بالكلمة فإذا بقي هذا الإيمان حيًا سيظل يكتب حتى لو لم يكن حوله سوى قارئ واحد.
فأنا أؤمن أن القصيدة لا تبحث عن كثرة القراء، بل
يكفي القصيدة قارئٌ واحد… إذا قرأها بقلبه.

السؤال الذهبي (ختام الحوار)

بعد رحلة امتدت من سوريا إلى المغرب ومن الذاكرة إلى القصيدة ومن الإنسان إلى الوطن… إذا طُلب منك أن تختصري مشروعك الشعري كله في جملة واحدة فماذا ستقولين؟

سأقول:

أكتب لأنني أؤمن أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تحفظ للإنسان شيئًا من روحه وللوطن شيئًا من ذاكرته وللحياة شيئًا من جمالها.
فإذا كانت الحياة قد أخذت مني بعض الأشياء فإن القصيدة أعادت إليَّ نفسي… وأعادت إليَّ إيماني بالإنسان.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :