رحلة في ابعاد الإبداع سير وأثر….[في ملتــقى الاقــلام]

كتب : الخميس، 30 يوليو 2026 - 1:45 م رحلة في ابعاد الإبداع سير وأثر

رحلة في ابعاد الإبداع سير وأثر
اعداد محمد احمد طالبي
اخراج حسن بوسرحان

[في ملتــقى الاقــلام]
الأستاذ أحمد السالمي واحد من الأصوات التي جمعت بين الممارسة الإبداعية والتأمل النقدي والبحث في الأدب المغربي، ولا سيما في مجال الزجل. فمنذ بداياته، ظل وفيا لرهان الكتابة بوصفها فعلا ثقافيا يتجاوز حدود الإبداع إلى مساءلة النصوص وتحليلها واستكشاف تحولات الخطاب الأدبي، وهو ما يتجلى في منجزه الزجلي والدراسات النقدية التي أنجزها في الشعر والسرد والزجل، فضلا عن حضوره في المشهد الثقافي والجمعوي.
وفي زمن تتكاثر فيه الأسئلة حول هوية الزجل المغربي، وحدود الكتابة بالدارجة، وعلاقة الشفهي بالكتابي، وإمكانات التجديد، وموقع الزجل داخل الخريطة الأدبية، يبدو الحوار مع الأستاذ أحمد السالمي فرصة للوقوف عند هذه الإشكالات من منظور مبدع مارس الكتابة، وناقد واكب التجارب، وباحث انشغل بأسئلة اللغة والجمال والمعنى.
في هذا اللقاء، لا نتوقف عند محطات السيرة بقدر ما نسعى إلى استنطاق تجربة فكرية وإبداعية تراكمت عبر سنوات من القراءة والكتابة، لنفتح معه نقاشا حول واقع الزجل المغربي، وتحولاته، وآفاقه، وأسئلته الجمالية والنقدية، في أفق الإسهام في تعميق الحوار حول هذا الجنس الأدبي الذي ما يزال يثير الكثير من القضايا والرهانات.

1. اشتغلتم شاعرا زجالا وناقدا وباحثا في الآن نفسه. كيف أثرت هذه الصفات الثلاث في بعضها؟ وهل الناقد يراقب الزجال أثناء الكتابة أم يترك له حرية الانفعال؟
ــ لا نعير اهتماما إلى الوقوف عند هذه الصفات، هي مجتمعة، تراقب بعضها البعض ضمن رؤية تستجيب إلى الإيمان بمفهومها، ولا تفترق، أو تستقل إلا قياما برسالتها، حيثما الإبداع عادة ما ينفلت ليحقق المقصود منه عند الذات كلية مادية هي أو معرفية..
2. في تجربتكم الإبداعية، هل تسبق الفكرةُ اللغةَ، أم أن اللغة هي التي تقود إلى الفكرة وتولد الرؤية؟
ــ بالنسبة لهذا النقاش تُجُوِّز، رغم أنه أخذ حقه من طرف النقاد والفلاسفة، واختلفوا الطرح (ما بين ديكارت وفاليري وبنفنست وياسبرس وبرغسون..) حتى بات جدلا كما “نظرية النظم” عند الجرجاني في علاقة اللفظ بالمعنى والأسبقية، والجاحظ وغيرهما.. لذلك فالمصالحة الفعلية بينهما حتمية، تفوقهما إلى العلوم الإنسانية برمتها.. وهل فعلا استوفى المعجم المستعمل في الإبداع، أو التخييل بشكل عام مكانته الفنية..؟
3. أصدرتم ديوان «سكية من لحلام»، وأنتم تستعدون لإصدار «شربة من أحلام». ما الخيط الجمالي والفكري الذي يصل بين العملين؟ وما الذي تغير في رؤيتكم للكتابة بينهما؟
ــ الإبداع لا يقف لكي لا يعيد نفسه باللغة.. فالمبدع كالآلة يستثمر جهازها التخييلي كي يَجُبَّ معه السابق للفعل في الراهن، والتطلع إلى الأفق القريب، أو البعيد سبقا لحركية الزمن كالأدب الروسي، وتطلعه لأفق جديد أواخر مرحلة الإقطاع..
أعتقد هي نفس الحركية التي يؤمن به الزجال، بعيدا عن النمطية المألوفة المتداولة في وسائل الإعلام الحالية (ما فائدة كل يوم قصيدة، إذا لم تراعِ مفهوم الشعر والشاعرية..)
4. كثيرا ما يُطرح سؤال: ما هو الزجل؟ وهل يمكن تقديم تعريف جامع له، أم أن تعدد التجارب يجعل أي تعريف قاصرًا؟
ــ ليس في العلوم الإنسانية تعاريف قارة.. وإنما مقاربات تتفق في غالبيتها على ثوابت الجنس، وهذا كاف لفهمه، والزجل لا يختلف في منظوره العام عن الشعر إلا في اللغة، أي نبحث عن أدبيته بمفهوم كريستيفا، وشعريته عند كوهن وتودوروف، وملامسة العاطفة بشكل قوي عند أدونيس..
5. هل أصبح الزجل المغربي اليوم أدبا قائما بذاته، له مرجعياته الجمالية والنقدية، أم ما يزال يُنظر إليه بوصفه مجرد تعبير شعبي أو فن شفهي؟ وما الذي يميز الزجل المغربي عن الشعر الفصيح من حيث اللغة، والصورة الشعرية، والإيقاع، وآليات بناء المعنى؟ وهل يكمن الاختلاف في اللغة فقط أم في الرؤية الشعرية أيضا؟ وهل تتميز هوية الزجل المغربي أساسا بلغته الدارجة، أم بقدرته على التعبير عن الإنسان المغربي وتحولاته الاجتماعية والثقافية والوجودية مهما اختلفت مستويات اللغة المستعملة؟
ــ لكي لا نعيد الطرح السابق.. فالزجل ضمن ثقافة الذاكرة كما أسميها كي أبتعد به عن الثقافة الشعبية. فمن لا يمتلك آليات التعامل مع الشعر، لا يتمكن من الاقتراب منه أكثر، ومن تأويله. وأيضا الابتعاد به عن المفهوم العام، الذي يضم كل نظم مسترسل يتصالح معه إيقاعيا وليس شعريا (كتابة الأغاني، النظم التوصيفي لمختلف مظاهر المجتمع وغيرها..).
فالإبداع الزجلي منفتح على جميع القضايا دون استثناء، ولا يقاس فقط باللغة.. وإنما هو حالة مخاض ترافق الزجال حتى الولادة السليمة، كي تضمن للقصيدة حياتها بالشكل الذي يريحه هو كمتلقٍّ أول في انتظار وصولها إلى المتلقي/ والمتلقي القارئ.. لكن للأسف النظرة الانطباعية للزجل في شفاهيته أبعدته عن عالِمِيَّتِه بالمفهوم النقدي، وعن عمق كونيته التي يسعى إلى تحقيقها…
6. يثار اليوم نقاش واسع حول هوية النص الزجلي؛ بين من يكتب بالعامية الخالصة، ومن يمزج العامية بالفصحى، ومن يقترب من قصيدة النثر مع الاحتفاظ بالدارجة. كيف تنظرون إلى هذه الاتجاهات؟ وأين ترسمون الحدود بين الزجل بوصفه جنسًا أدبيًا مستقلاً وبين النصوص التي تستعير خصائص أجناس أخرى؟
ــ هو نفس الجدل الذي عشناه مع القصيدة شعرا ونثرا.. حتى استقامت قصيدة النثر، وفرضت كينونتها داخل التجربة الشعر ككل، والهايكو حاليا استشرى بشكل كبير في العقدين الأخيرين… لسنا ضد التطور، إذا كان المستحدث ينأى بالإبداع الشعري عن المستهلك والتقليد المجاني. بل البناء لا يتم إلا وفق تصور يضع الظاهرة ضمن حركية المجتمع والمجتمع الكوني.
هو التلاقح أو الانفتاح على المستوى اللغوي ضرورة لا مفر.. لكن لا نعيد النقاش التقليدي الذي طُرِح حول تجربتي البحتري وأبي تمام، ومع التيارات الأدبية مرحلة أسئلة الذات وو.. نكتفي بالقول أن معجم اللغة المحكية في عمق مفرداته من العربية.. والإشكال يرتبط بالتوظيف، فإذْ لم تأخذ الكلمة العربية مكانها ضمن القصيدة الزجلية بشكل يخضع لتركيبها تصبح نشازا وثقلا في الاسترسال، والتناغمات الصوتية التي تيسر غنائيتها..
وإذا ما نظرنا إلى الرواية أو القصة منذ النصف الثاني من القرن الماضي، نجد حضورا للهجة أو اللغة المحكية دون أن تشكل حجرة عثرة بالنسبة للسرد في تتابعه.. وعليه فإن الزجل من جانب آخر منفتح على الأجناس الأدبية الأخرى رغبةً أو كُرْهاً. هو لا يقتات منها بل طبيعة الموضوع تفرض شكلها الداخلي، وبالرجوع إلى التجربة الشعرية التقليدية والحديثة، تفرض هذه الأجناس حضورها (الأطلال، الرحلة، الصيد.. مغامرات أبي نواس وأصدقائه، الحكمة عند المتنبي، والمعركة مع البارودي والشعر القصصي وهكذا..) وبالزجل أيضا نجد حضور الحكاية والأمثال بشكل كبير ومكثف.
7. إلى أي حد يمكن للزجل أن يستفيد من تقنيات قصيدة النثر الحديثة دون أن يفقد خصوصيته؟ والتجديد شعار يرفعه كثير من الزجالين. فما مفهومكم للتجديد؟ وهل ترون أن التجريب ضرورة إبداعية، أم أن الإفراط فيه قد يؤدي إلى ذوبان الحدود بين الأجناس الأدبية؟
ــ لقصيدة النثر خصوصيتها كما سبقت الإشارة.. فالزجل يتقاطع معها في التحرر من النظم بكل صفاته، وهذا صعب شيئا ما، حين لازالت القصيدة الزجلية لم تتخلص من شفاهيتها في غياب ضوابط لغوية نهائية، تسهل مأمورية اتساعها على مستوى القراءة رغم أن اللغة المحكية تحملها، وإلا لما كان لبنياتها التركيبة دلالة ولوظيفتها التواصلية أمر..
تبقى المحاولات النثرية عند مجموعة من الزجالين، ومن نحا هذا المنحى ــ ولا أقول اتجاه ــ ذات طابع نخبوي، في انتظار اقتحامها المتلقي المتعدد، والقرب من استمالته، وشده إلى التجربة.
8. هل للزجل المغربي قواعد وضوابط فنية وجمالية يمكن الاحتكام إليها، أم أن الحرية هي قانونه الوحيد؟
ــ مادام الزجل يراعي خصوصية التخييل الشعري في قوالب إيقاعية تستفز مشاعر المتلقي سواء مهتم، أو مستمع، فقد أدى مهمته الشعرية كالفصيح تماما.. وهذا ما فتح آفاق اختيار الزجالين لجملهم ومقاطعهم الشعرية، حتى ميزت تجاربهم عن بعضها البعض.
9. تنتمي تجربتكم إلى جيل عاش تحولات مهمة في مسار الزجل المغربي. كيف تقرؤون اليوم راهنية الكتابة الزجلية؟ وهل ما يزال الزجل قادرًا على إنتاج أسئلة جديدة؟
ــ عندما بدأت كتابة (الزجل) في مراحل متقدمة من العمر (مرحلة الإعدادي)، كنت أتمثل النظم في الحلقة بمختلف أشكالها، في بنائها وتوازناتها، وما يخلفه هذا التوازن إيقاعيا دون أن تبتعد عن تقريريتها.. حتى المراحل الأخيرة من الثانوي، وما كان يثيره الطلبة الأصدقاء من أوجه الغناء الملتزم (فرقة العاشقين، ومارسيل، والشيخ إمام، وكعبور.. لأن جلهم تعاملوا مع الشعر.. لدرويش، والقاسم، وتوفيق زياد، ونجم فؤاد وغيرهم..).
هنا بدأ يتسع الاهتمام أكثر، وطرح سؤال العلاقة بين النص الشعري في شكله ومحتواه، وتركيبته الشعرية في غنائيته.. وبمعانقة الصرح الجامعي كان الانفتاح أكثر على التجارب الزجلية المتداولة في شرائط صوتية لرضوان أفندي والودان وو.. وأغاني سعيد المغربي.. هذا الاهتمام فجر في بداياته نصوص زجلية تبحث عن فطرة القول تراعي نسبيا المعطى الشعري بحكم التخصص…
بعد هذه المرحلة، وشق طريق الكتابة في أواخر الثمانينات بدأ الانفتاح ــ في غياب ذيوعه ــ بشكل كبير على تجارب أحمد لمسيح وإدريس المسناوي، ومنهما إلى الالتحاق بالرابطة المغربية للزجل في التسعينات من القرن الماضي للتعرف على الزجالين أكثر..
في أي مجال هناك ديمومة مستمرة في التلاقح بين القائم والوافد “عناق الأجيال”، ومشعل الزجل بالنسبة لهذا الجيل يطمئن كثيرا.. من حيث طرح أسئلة الانتماء والمهمة…
10. من خلال قراءاتكم النقدية، ما أبرز التحولات التي عرفها الزجل المغربي خلال العقدين الأخيرين؟
ــ أهم ما يلاحظ أن التجارب الزجلية تختلف على مستوى التصنيف، أو لنقل قلما تذوب في بعضها البعض، إلا في انتمائها الجغرافي الذي يبدو جليا في المعجم المستعمل، وهذا مهم جدا من حيث تنوعه للإحاطة بالمتداول المستهلك في المغرب ككل.. لمعالجة القضايا الكبرى والعالقة بالمجتمع، وبالإبداع أيضا.. كما يتبين ذلك بالملموس من خلال قراءاتي لمجموعة من الدواوين الزجلية.
11. كيف تصفون واقع الزجل المغربي اليوم؟ هل يعيش مرحلة ازدهار وتراكم إبداعي ونقدي، أم يمر بحالة تراجع رغم كثرة الإصدارات والمنابر؟ وكيف تقيمون انتقال الزجل من فضاء المشافهة إلى فضاء الكتابة والنشر والدراسة الجامعية؟ ماذا ربح الزجل وماذا خسر؟ وهل ما يزال يحتفظ بروحه الشفوية رغم انتقاله إلى الكتاب؟
ــ بالنسبة للإصدارات في الزجل كغيرها من الإصدارات الأخرى، خصوصا الشعر، في غياب لجنة علمية مختصة تعمل على تقييم الإبداع، وأقصد الدواوين حتى لا نعيش هذا الإسهال الذي فرض نفسه في ظل ما تشهده وسائل الإعلام من تطور، والتي أباحت فرص صفة شاعر، أو زجال، دون فهم صحيح للزجل، والوعي بجنسه من طرف المتلقي.. وهذا النوع يمنح الصفة لذاته.
لا نتحدث عن الربح والخسارة، وإنما الموقف من اللغة المحكية باعتبارها في المأثور المتداول لغة الثقافة الشعبية، ولا أهمية لسؤال عالِمِيَّتِها، كي تتخذ موقعها الطبيعي ضمن الثقافة العامة.. ماعدا اهتمام مجموعة من الدكاترة على مستوى الدراسة الأكاديمية.. في أفق تعميق التعامل معه ضمن ثقافة الذاكرة…
12. ارتبط الزجل تاريخيًا بالغناء والموسيقى والإنشاد. كيف تقيمون هذه العلاقة اليوم؟ وهل كانت الموسيقى عاملًا في انتشار الزجل أم أنها قد تحجب أحيانًا قيمته الأدبية؟
ــ الشعر العربي ما يميزه عن الشعر العالمي غنائيته.. والزجل لا يستثني هذا المعطى، إن لم نقل معياره الأساسي في البناء العام للقصيدة الزجلية كيفما كانت طبيعة مواضوعاتها..
أما الإنشاد، فأغلب نصوصه لا ترقى إلى مستوى التخييل، بحكم استهدافه البعد الروحي بلغة تمتح من المعجم الصوفي وسهلة الاستظهار.. إذ الإنشاد ليس القالب الذي يتوخى البعد الموسيقي في الزجل وفي تمثله، بل مكوناته الشعرية وتفاعلاتها هي التي تستسهل غنائيته ونفاذه.. كما هو الشأن بالنسبة للشعر مع درويش، وسامح القاسم، وقباني وأبي فراس وغيرهم.. دون أن نبتعد عن نجم فؤاد، والأبنودي، وجيجان، وبلعطار، وبنسعد، ولقلع، وغالي وغيرهم كُثُر…
13. هل استطاع الزجل المغربي أن يؤسس لنظرية نقدية خاصة به، أم أنه ما يزال يُقرأ بأدوات مستعارة من الشعر الفصيح والسرد؟ وإلى أي حد يحتاج إلى مشروع نقدي يؤسس لمفاهيمه الخاصة؟ وهل يعاني النقد الزجلي من قلة المتخصصين أم من غياب مشروع نقدي؟
ــ مادامت العلوم الإنسانية برمتها استطاعت أن تقتحم الظاهرة الأدبية لقراءتها وتفكيكها.. يبدو هذا في جوهره منطلق تصور للظاهرة، كما الشأن بالنسبة للزجل، بمعنى قراءة الشعر هي نفسها قراءة الزجل، والاختلاف فقط في الجهاز اللغوي لا غير..
ولا أعتقد مثلا أن آليات السيميائيات السردية أو غيرها هي أكبر من اقتحامه. ففي بداية الثمانينات ظهر “في سيمياء الشعر القديم” لمحمد مفتاح، وكيف استثمر آليات المنهج السيميائي لتفكيك مكونات القصيدة من حيث تركيبها وصرفها وبلاغتها.. إذن فما الفرق؟؟
14. عندما تقرؤون أي نص زجلي، ما الذي يلفت انتباهكم أولًا: اللغة، أم البنية، أم الرؤية، أم الأثر الجمالي؟
ــ بقراءة نص زجلي لا نميز عناصره، هي مجتمعة تؤدي وظيفتها الإبداعية، وما تنتظره من المتلقي، إذا رغبت لذته بمفهوم بارث…
15. ما طبيعة العلاقة بين الزجل والهوية الثقافية المغربية؟ وهل يمكن اعتباره أحد أهم الحوامل الحافظة للذاكرة الجماعية والوجدان المغربي؟ وكيف تنظرون إلى العلاقة بين الزجل والهوية المغربية في ظل الانفتاح على التجارب العربية والعالمية؟
ــ الزجل مكون من مكونات الثقافة المغربية، هويته وانتماؤه، إذا نظرنا إليه من زاوية لغته دون أن نساوم على القضايا الكبرى محلية كانت أو قومية أو إنسانية..
16. ما موقع اللغة المحلية داخل المشروع الثقافي المغربي؟ وما الدور الذي يؤديه الزجل في حفظ الذاكرة الثقافية؟
ــ لازال غياب الاهتمام باللغة المحكية في المشاريع الثقافية الكبرى.. وبالزجل. وهنا أتحدث عن الرسمي ــ وليس أنشطة جمعيات تستحضره في أغلب مناسباتها أو تخصيص مهرجان له بأعبائه المادية، وتمويله المحتشم ــ ماعدا بعض المهرجانات القليلة “مهرجان بنسليمان” الذي يعاود ذاته بنوع من الرتابة المملة..
هذا هو الغياب الفعلي لمشروع منفتح على جميع الاحتمالات التي تدفع بالزجل إلى الانتشار أكثر.. والالتفات إلى اللغة المحكية أو إلى “الثقافة الشعبية” كي تكون أنواع منها ضمن الأنشطة الموازية في المؤسسات التعليمية (الحكاية، المسرح، الأمثال)..
17. ما أبرز الأخطاء التي يقع فيها بعض الزجالين الشباب في تقديركم؟
ــ لا نتحدث عن أخطاء، بل عن إعادة النظر في الذات الشاعرة بالتدرج حتى تنضج التجربة وتصقل..
18. هل أسهمت الجوائز والمهرجانات في تطوير الزجل المغربي، أم أنها كرست أسماء بعينها؟ وفي ظل وسائل التواصل الاجتماعي، هل أسهم الانفتاح الرقمي في تطوير التجربة الزجلية وتوسيع جمهورها، أم أدى إلى انتشار نصوص تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط الفنية؟
ــ سبقت الإشارة إلى المهرجانات، هي لم ترتق بالزجل إلى المستوى المرغوب، وإنما كرست نمطية الامتياز عندما يصبح حقا في المشاركة، وليس المساهمة الفعلية كزجال في بناء رؤية تستهدف الغاية منه كإبداع ضمن ثقافة الذاكرة الحية.. وهذا من المعيقات التي تقف أمام تجارب أخرى تنتظر فرص إثبات الذات المبدعة..
إن الانفتاح الرقمي أنعش التجربة الزجلية من خلال التداول، وفي خلق جسور التواصل بين الزجالين وتجاربهم بمختلف أجيالهم.. بعيدا عن الفهم السطحي للزجل والزجال كما سبق..
19لو طُلب منكم وضع ميثاق مختصر للكتابة الزجلية، فما المبادئ الأساسية التي سيتضمنها؟ وأخيرا، كيف تتصورون مستقبل الزجل المغربي خلال السنوات المقبلة؟ وما الرهانات الفكرية والجمالية التي ينبغي أن يشتغل عليها الزجالون والنقاد حتى يواصل هذا الفن تطوره؟
ــ لا أستسيغ فكرة وضع ميثاق، فهو بمثابة فضاء مغلق يحد من الإمكانات المتوفرة على مستوى الموهبة الزجلية.. وأرى أن الميثاق الذي يجب الاعتداد به هو هذه المساحات اللامتناهية للزجال كي يبدع أنى شاء موضوعا ورؤية لإغنائه، وفتح الأفق للزجل واستمراريته.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :