الفن حين يخدم الوطن… والتراث حين يتحول إلى رسالة للأجيال
تحرير وإعداد: حسن بوسرحان
الصور: طارق الأسمر – رشيد قعدود.مصطفى طاس
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي…
ليست كل التظاهرات الثقافية تُقاس بعدد الحاضرين أو الفقرات المبرمجة، بل هناك مواعيد تصنع الفارق لأنها تحمل رسالة، وتؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، وإنما ركيزة لبناء الإنسان وحفظ هوية الوطن. ومن هذا المنطلق، نجحت جمعية تراثيات المغرب، بشراكة مع مقاطعة مرس السلطان، في تقديم واحدة من أجمل التظاهرات الثقافية والفنية التي احتضنتها قاعة لامارتين بمرس السلطان يومي الجمعة 31 يوليوز والسبت 1 غشت 2026، احتفاءً بالذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده على عرش أسلافه المنعمين.

ولم يكن الحفل مجرد برنامج احتفالي، بل كان عرسًا وطنيًا وثقافيًا متكاملاً، اجتمع فيه الفن التشكيلي، والشعر، والموسيقى، والصناعات اليدوية، والفكر، والتكريم، في لوحة مغربية أصيلة جسدت الاعتزاز بالهوية الوطنية والانتماء لهذا الوطن العريق.

وقد أشرفت على هذا العرس الثقافي الشاعرة زبيدة الطويل، رئيسة جمعية تراثيات المغرب، التي نجحت رفقة أعضاء الجمعية والمتطوعين في إخراج هذه التظاهرة بصورة مشرفة، تعكس قدرة المجتمع المدني على إنتاج مبادرات ثقافية راقية.
افتتاح يليق بعشق التراث

استهلت فعاليات الجمعة بافتتاح المعرض الجماعي للفنون التشكيلية والصناعات اليدوية التراثية، بحضور ضيف الشرف الفنان التشكيلي عبد الإله الشاهيدي، إلى جانب ثلة من الفنانين والمثقفين والإعلاميين والفاعلين الجمعويين.
وضم المعرض أعمالًا تشكيلية للفنانين فاتن الأزهري، حسن السالكي، محمد بازي، إلى جانب مجموعة من الفنانات التشكيليات، حيث تنوعت اللوحات بين المدارس الفنية المختلفة، وعكست ثراء التجربة التشكيلية المغربية.
أما رواق الصناعات اليدوية، فقد تحول إلى فضاء ينبض بعبق التراث المغربي، من خلال إبداعات الحرفيات فاطمة، سهام، زهرة، أمينة، جميلة، اللواتي قدمن نماذج متميزة من المنتوجات التقليدية، مؤكدات أن المرأة المغربية ما تزال الحارس الأمين لذاكرة الحرف والصناعة التقليدية.
كلمة رئيسة الجمعية… رسالة وفاء للوطن

في كلمتها الافتتاحية، أكدت الشاعرة زبيدة الطويل أن اختيار الاحتفاء بعيد العرش المجيد من خلال الثقافة والفن ليس اعتباطيًا، بل هو إيمان بأن الإبداع يشكل أحد أهم جسور ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز قيم المواطنة.
كما خصت بالشكر والامتنان السيد بن جلول التويمي، رئيس مجلس مقاطعة مرس السلطان، على دعمه اللوجستيكي والمعنوي الكبير طيلة يومي التظاهرة، والذي كان له الأثر البالغ في نجاح هذا الموعد الثقافي. ولم يفتها أن تتوجه بكلمات التقدير إلى السلطات الإدارية والمحلية، وإلى إدارة خزانة لامارتين بمرس السلطان، على تعاونهم وتجاوبهم وحرصهم على توفير الظروف الملائمة لإنجاح هذه المبادرة الوطنية.
عبد الله الفكاك… قيادة إعلامية واثقة لليوم الأول

شهد اليوم الأول تقديمًا وتنشيطًا راقيًا للإعلامي الأستاذ عبد الله الفكاك، الذي أدار مختلف الفقرات باحترافية عالية، مانحًا للحفل إيقاعًا متوازنًا، وحافظ على تفاعل الجمهور مع مختلف المحطات الفنية والثقافية.
تكريم يكرس ثقافة الاعتراف
تميزت الأمسية الأولى بتكريم نخبة من الأسماء التي بصمت مساراتها بالعطاء والإبداع، وهم:
الأستاذ رحال بنصديق درسي.
الأستاذة عزيزة بوسلامة.
الفنان زكرياء تملدود.
الفنانة التشكيلية أمينة الشناني طنجي.
الأستاذ عزيز معزوز.
الفنان بوشعيب سفاج.
الأستاذ باني محمد ولد بركة.
التلميذ علي نهري.
الأستاذ إدريس صالح.
وكانت لحظات التكريم مؤثرة، جسدت قيمة الاعتراف بالعطاء الإنساني والثقافي.

الشعر والنقد… الكلمة في أبهى صورها
خصصت الجمعية مساحة وازنة للإبداع الأدبي، حيث قدمت الشاعرة إيمان الونطدي قراءات من ديوانها “الراكد في الحُلْمة”، قبل أن تقدم الأستاذة مليكة بن ظهرا قراءة نقدية معمقة للديوان، فتحت نقاشًا أدبيًا أغنى اللقاء.
كما ألقى قصائد شعرية كل من:
نعيمة مفيد.
مصطفى العبريدي.
نادية الزرقي.
سمير شراد.
الشاعر الصغير ريان معزوز.
الموسيقى… روح الحفل

أبدعت مجموعة بوخلال في تقديم ثلاث وصلات غنائية أضفت على الحفل أجواء من البهجة والطرب الأصيل، وسط تفاعل كبير من الجمهور.
اليوم الثاني… استمرار التألق
افتتح برنامج السبت بآيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبها أداء جماعي للنشيد الوطني المغربي في مشهد وطني مهيب.
وتولى الشاعر والإعلامي جواد مرزوق تقديم وتنشيط فقرات اليوم الثاني، حيث أدار مختلف المحطات بأسلوب متميز، أضفى على الحفل حيوية وانسجامًا، وأسهم في إنجاح فعالياته.
بعدها استمتع الجمهور بوصلة تراثية لفرقة أحواش بقيادة الرايس آيت باها، أعقبتها قراءات شعرية للشاعر عبد الرحمن بكري والشاعرة أمينة السبيل.

الاحتفاء بالتميز الأكاديمي
في بادرة تعكس اهتمام الجمعية بالعلم إلى جانب الفن، تم تكريم خريجي ماستر القانون الدولي والترافع الدبلوماسي، بحضور منسق الماستر الأستاذ عز الدين خمريش، إلى جانب الباحثين الخريجين.
كما شمل التكريم:
الشاعرة والمؤلفة كريمة أهنين.
الدكتورة نزهة الشعباوي.
الفاعلة الجمعوية سميرة العلوة.
الإعلامي أحمد الركيبي.
وتخللت الفقرة قصيدة للشاعر كريم لشهب، ووصلة غنائية للفنانة نادية بنعياد بمشاركة الفنان المصري السيد فيومي، إضافة إلى قراءات شعرية لفتيحة جعفري والسعدية النوني.
تكريم القامات الثقافية والفنية
بلغ الحفل ذروة التأثر مع تكريم شخصيات وازنة، منها:

الكاتبة بديعة الراضي.
الصحفي والكاتب والناقد السينمائي حسن نرايس.
الفنان هشام بهلول.
الفنان إدريس الروح.
الفنان التشكيلي عبد الإله الشاهيدي.
واختتمت الفقرات الفنية بوصلة غنائية للفنان خالد ولد مولاي، قبل أن تتلو الشاعرة كريمة أهنين برقية الولاء والإخلاص المرفوعة إلى السدة العالية بالله، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
واختتم الحفل بالتقاط صور جماعية ووثائقية شارك فيها الفنانون والمكرمون والضيوف، في لحظات ستظل شاهدة على نجاح هذه التظاهرة الوطنية.

رسالة ثقافية تستحق الإشادة
لقد أكدت جمعية تراثيات المغرب، من خلال هذا الحفل، أن العمل الثقافي الجاد قادر على صناعة الفارق، وأن الاحتفاء بعيد العرش المجيد يمكن أن يتحول إلى مناسبة لترسيخ قيم الوفاء، وتشجيع الإبداع، وصون التراث المغربي، والاعتراف بالمبدعين الذين يخدمون الوطن كل من موقعه.
وكان التوثيق الإعلامي الشامل، عبر الصور والفيديوهات التي أنجزها عدد من المتطوعين والإعلاميين، إضافة نوعية لهذا الحدث، ليظل شاهدًا على واحدة من أبرز المحطات الثقافية التي احتضنتها مدينة الدار البيضاء خلال احتفالات عيد العرش المجيد.

لقد كان احتفالًا بالوطن… واحتفاءً بالإنسان… وانتصارًا للفن والتراث المغربي الأصيل.









