حينما يصبح التملق السياسي والثقافي والجمعوي طريقاً للظهور… أزمة قيم أم بحث عن الامتيازات؟

كتب : الأثنين، 03 أغسطس 2026 - 12:52 م سلسلة مجرد رأي, سيرة مبدع

إعداد وتحرير حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي
لم يعد التملق مجرد سلوك فردي مرتبط بالمجاملة أو حسن التعامل، بل أصبح في بعض المجالات ظاهرة تستحق الوقوف عندها، خصوصاً عندما يتسلل إلى المشهد السياسي والثقافي والجمعوي، حيث يفترض أن تكون الكفاءة والمصداقية وخدمة المجتمع هي المعايير الأساسية للحضور والاعتراف.
في المجال السياسي، يتحول التملق أحياناً إلى لغة سائدة، حيث يختار البعض التصفيق بدل النقد، والمدح بدل تقديم الملاحظات الصادقة. فبدل أن تكون العلاقة بين المسؤول والمواطن مبنية على الحوار والمساءلة، تصبح عند البعض علاقة قائمة على التزكية الدائمة وتجميل الواقع، حتى لو كانت هناك اختلالات أو انتقادات مشروعة.
المشكل ليس في احترام المسؤول أو تقدير المجهودات، فهذا سلوك حضاري مطلوب، وإنما في تحويل الأشخاص إلى رموز فوق النقد، وفي جعل الولاء للأفراد أهم من الولاء للمبادئ والمصلحة العامة.
أما في المجال الثقافي، فقد أصبح التملق يشكل خطراً على الإبداع الحقيقي، حينما تتحول بعض المنابر واللقاءات إلى فضاءات للمجاملة المتبادلة، حيث يُرفع اسم البعض ليس دائماً بسبب قيمة إنتاجه، وإنما بسبب علاقاته وشبكة معارفه. في المقابل، قد يجد المبدعون الحقيقيون أنفسهم بعيدين عن الأضواء لأنهم اختاروا طريق العمل بدل طريق التصفيق.
وفي المجال الجمعوي، الذي يفترض أن يكون مدرسة للتطوع وخدمة المجتمع، تظهر أحياناً ممارسات تجعل بعض الأنشطة مناسبات للظهور والصور أكثر من كونها مشاريع ذات أثر حقيقي. وقد يتحول العمل الجمعوي من رسالة نبيلة إلى وسيلة للبحث عن الاعتراف أو التقرب أو الحصول على الامتيازات.
الأخطر أن التملق يصنع بيئة لا يسمع فيها المسؤول إلا الأصوات التي تؤيده، ولا يرى فيها المجتمع إلا الواجهات اللامعة، بينما تبقى الأسئلة الحقيقية معلقة: أين النقد البناء؟ أين الاعتراف بالكفاءة بعيداً عن العلاقات؟ أين تكافؤ الفرص بين من يعمل في صمت ومن يجيد صناعة التصفيق؟
إن المجتمعات لا تتقدم بكثرة المادحين، بل بأصحاب الأفكار والمواقف الصادقة. فالشخص الذي يقول الحقيقة باحترام قد يكون أكثر خدمة من شخص يوزع عبارات الإطراء بحثاً عن القرب والمصلحة.
التملق قد يمنح صاحبه حضوراً مؤقتاً، لكنه لا يصنع قيمة حقيقية. فالتاريخ لا يحتفظ بأسماء الذين بالغوا في التصفيق، بل بأسماء الذين تركوا أثراً، ودافعوا عن أفكارهم، وخدموا مجتمعهم بصدق…..

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :