ضيفنا في الحلقة ليس ممن وصلوا إلى الأدب عبر المصادفة، بل ممن نشأوا في كنف الكلمة،

كتب : الثلاثاء، 04 أغسطس 2026 - 10:43 ص رحلة في ابعاد الإبداع سير وأثر

رحلة في ابعاد الإبداع سير واثر
اعداد محمد احمد طالبي
اخراج حسن بوسرحان

لكل كاتب حكاية مع الكتابة، غير أن قلة منهم تتحول حياتهم نفسها إلى نص مفتوح، تتداخل فيه التربية بالمعرفة، والذاكرة بالتجربة، واللغة بالرؤية.
ضيفنا في هذه الحلقة ليس ممن وصلوا إلى الأدب عبر المصادفة، بل ممن نشأوا في كنف الكلمة، فكانت اللغة العربية بيئته الأولى، والقراءة عادته اليومية، والكتاب رفيق طفولته. جمع بين التعليم التقليدي والتعليم العصري، ونسج من هذا التفاعل شخصيةً جعلت من الأصالة منطلقًا للانفتاح، ومن الحداثة أفقا للتجديد، دون أن يتنكر لجذوره.
كتب في أكثر من جنس أدبي، لكنه ظل مؤمنا بأن الكتابة واحدة، وأن اختلاف الأجناس ليس إلا اختلافا في الوسيلة، أما الجوهر فهو اللغة، والرؤية، وصدق التجربة. وتتقاطع في مسيرته أسماء وازنة في الثقافة المغربية، من بينها الدكتور محمد بنيس، والكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد، والروائي محمد زفزاف، غير أن رحلته ظلت، قبل كل شيء، رحلة بحث دائم عن صوته الخاص.
في هذه الحلقة من ملتقى الأقلام سير وأثر، سنقترب من تجربة كاتب آمن بأن الثقافة ليست تكديسا للمعارف، بل تعمقا في الإنسان، وأن القراءة ليست استهلاكا للكتب، بل وسيلة لتجاوزها. سنحاوره في محطات تكوينه، وفي علاقته باللغة، وبالكتابة، وبالنقد، وبالمرجعيات التي صنعت تجربته، كما سنستكشف معه رؤيته للأدب، ولمستقبل الثقافة، وللأسئلة التي لا تزال تؤرق المبدع العربي.
أهلا بكم احبتي الكرام وأهلا بضيفنا الكريم. مرحبا بالاستاذ عبد الرحيم هري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. في تجربتك لم يكن التكوين انتقالا من الأسرة إلى المدرسة، بل بدا وكأنه انتقال من سلطة معرفية إلى أخرى. كيف تفسر العلاقة بين التربية المنزلية التقليدية، ممثلة في القرويين، وبين قدرتها على إنتاج كاتب منفتح على الحداثة دون أن يقع في قطيعة مع مرجعياته؟
ج لم يبدأ تكويني من المدرسة، بل بدأ من يد أبي.
كنت يومها بالكاد أناصف عامي الثالث. دخلت عليه في خلوته التعبدية كعادتي، مدفوعا بشغب الطفولة. كنت شديد التعلق به؛ أمازحه ويمازحني، وأمتطي ظهره وهو ساجد فيحملني عند قيامه، وأداعب لحيته التي كانت تستهويني، فيفاجئني أحيانا بصوت أسد أو حيوان مفترس، فأقفز مذعورا، بينما يطلق قهقهة تملأ المكان دفئا. كانت لعبتنا اليومية التي لم أكن أملها.
في ذلك اليوم هممت بالانصراف، فإذا به يمسك ساعدي، ويجلسني إلى جواره، ثم يناولني لوحا ويأمرني بالقراءة. قلت بعفوية الطفل: «ما أنا بقارئ». ظننت الأمر مزاحًا، غير أن المزاح تحول إلى درس، واللعبة إلى بداية عمر جديد. وفي صباح اليوم التالي، بعد الفجر بقليل، كنت أحمل اللوح نفسه لأستظهر عليه ما حفظته من الحروف الأبجدية. هناك بدأت أول صلتي الحقيقية بالقراءة، وهي صلة لم تنقطع منذ ذلك اليوم.
ومنذ تلك اللحظة، صار الكتاب رفيقا دائما، والقراءة عادة يومية، حتى خزنت في صدري ما يزيد على خمسين حزبا من القرآن الكريم، وتلقيت في البيت علوم العربية، من قراءة وكتابة، وحفظ للمتون، ودروس في الصرف والنحو، كان أبي يلقنني إياها شعرا.
لهذا، حين ولجت المدرسة العصرية، لم أشعر أنني أبدأ من الصفر. دخلتها وأنا أحمل زادًا لغويا سبق سني، فلم يكن بين التعليم التقليدي الذي تلقيته في البيت والتعليم العصري الذي وجدته في المدرسة فرق جوهري، سوى رسم الحروف؛ فقد كنت أكتب بالحرف المغربي، ثم تعلمت الحرف المدرسي في زمن يسير، وانتهى الأمر.
ولم يكن التعليم التقليدي الذي نشأت عليه تعليما منغلقا أو عقيمًا كما يتصور البعض. فقد كان الشعر المقفى جزءا من دروسه، كما كانت الحكايات والقصص والروايات، وكانت جريدة «العلم» تدخل بيتنا باستمرار، فنتابع ما تنشره. لذلك لم أشعر يوما أن بين التعليمين قطيعة، بل وجدتهما يلتقيان أكثر مما يفترقان.
ولعل ما يثير الانتباه أن انفتاحي على الحداثة لم يبدأ خارج البيت، وإنما بدأ من داخله. ففي ستينيات القرن الماضي، كانت الأمية والفقر يطبعان حياة كثير من الأسر، وكان العثور على أب أو جد قارئ متعلم أمرًا نادرًا. أما في بيتنا، فقد كان المشهد مختلفا؛ أمهات الكتب تحيط بي، والقراءة طقس يومي، والوالد، على الرغم من جلبابه وبرنسه وبلغته ورزته المغربية، لم يكن أسير المظهر التقليدي، ولا سجينا لفكر منغلق. لم يمنعني من اللباس العصري، ولا من حلاقة الشعر على الطريقة الحديثة، ولا من حضور حفلات الغناء، ولا من اللعب مع الأقران بحرية. وهكذا تعلمت، منذ طفولتي، أن الأصالة ليست نقيض الحداثة، وأن الانفتاح لا يقتضي التنكر للجذور.
لهذا أقول إن تكويني لم يكن ذا مشرب واحد. لقد بدأت رحلتي في بيت جمع بين القرآن والكتاب، وبين الفقه والرواية، وبين التراث والانفتاح، ثم جاءت المدرسة العصرية لتوسع ما كان قد تأسس، لا لتلغيه. ومن هذا التداخل بين المرجعية التقليدية وآفاق الحداثة، تشكلت شخصيتي، وتكونت رؤيتي، وصرت كما يراني القارئ اليوم.

2. كثيرا ما يُختزل تكوين الكاتب في رصيد قراءاته، بينما يغيب الحديث عن كيفية تشكل وعيه باللغة ذاتها. متى شعرت أن العربية لم تعد مادة للتعلم، بل أصبحت أفقا للتفكير وإنتاج العالم؟
ج: لم أشعر يومًا بأن اللغة العربية كانت بالنسبة إليّ مجرد مادة للتعلّم؛ فمنذ أن وعيتُ ذاتي، وجدتها جزءا من تكويني، أتقنها رسما وقراءة وفهما، بفضل ما نشأت عليه من قراءة متواصلة، وما طالعتُه من كتبٍ وروايات متعددة المشارب.
في المرحلة الابتدائية، لم تعد اللغة العربية بالنسبة إليّ أداةً للتلقي فحسب، بل غدت أفقا للإنتاج والتعبير. فقد كنت أراسل مجلة «العربي» الكويتية، ومجلة «هنا لندن» التي كان يصدرها القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، كما كنت أشارك في البرامج الثقافية التي تبثها الإذاعة المغربية، ولا سيما إذاعة طنجة الجهوية.
وكانت مواضيعي في مادة الإنشاء تُختار لتُقرأ على تلاميذ المستويات العليا، بوصفها نماذج متميزة في التعبير والكتابة، وهو ما زاد يقيني بأن اللغة العربية لم تكن بالنسبة إليّ مادة دراسية أتعلمها، بقدر ما كانت فضاءً رحبًا للإبداع والإنتاج منذ سنواتي الأولى.

3. حين فاجأت محمد بنيس بكثافة قراءاتك، هل كانت تلك القراءات تراكما معرفيا، أم أنها كانت مشروعا مبكرا لإعادة بناء الذات؟ وما الفرق بين قارئ يستهلك الكتب، وقارئ تعيد الكتب تشكيل بنيته الفكرية؟
ج: قبل أن يشهد لي الدكتور محمد بنيس في المرحلة الثانوية، كنت قد فاجأت أساتذة اللغة العربية منذ المرحلة الابتدائية في أكثر من موقف.
أتذكر أنني، في أول حصة دراسية بالمستوى الثالث، بدأ أستاذ اللغة العربية درس العبادات بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثوب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر…» ثم ختم بقوله: «فمن هو؟»
كان هذا الحديث آخر درس تلقيناه في الصف الثاني، وقد حفظناه كما هو، لكن شهر يونيو انتهى قبل أن يشرحه لنا الأستاذ أو يبين الغرض منه. ولم يبق عالقا في ذهني سوى السؤال الأخير: «فمن هو؟». وكنت أظن، لصغر سني، أن هذه العبارة جزء من الحديث نفسه، لا سؤالا موجها إلينا.
أخذت الدفتر إلى البيت، وجلست أحفظ الحديث جهرا، بينما كان والدي متكئًا إلى جانبي يسبح بمسبحته. وما إن بلغت قوله: «فمن هو؟» حتى أجابني على الفور: «إنه جبريل عليه السلام.» عندها فقط أدركت أن السؤال موجه إلينا نحن التلاميذ.
وفي أول يوم من السنة الدراسية الجديدة، وكان ذلك في فاتح أكتوبر، قصدنا، بحكم العادة، القسم الذي كنا ندرس فيه خلال السنة الماضية، فقد كنا نظن، لصغر سننا، أننا سنبقى مع الأستاذ نفسه طوال المرحلة الابتدائية. أخذ الأستاذ اللائحة، ثم نادى على بعضنا وطلب منا الاصطفاف خارج القسم، بينما بقي الآخرون في أماكنهم.
قال لنا: «اتبعوني.»
سرنا خلفه ونحن نتساءل عن سبب هذا التصنيف، حتى أخبرنا أحد التلاميذ الذين أعادوا السنة أننا انتقلنا إلى المستوى الثالث، وأن علينا الالتحاق بقسم جديد مع أستاذ آخر.
ولما دخلنا القسم الجديد، طلب منا الأستاذ أن نختار أماكننا، بينما انشغل بالحديث مع أستاذنا الأول. وقبل أن يغادر، سمعته يقول له: «أتيتك بتلميذ نبيه جدا، اهتم به، وحاول مسايرته، فقد يفاجئك نشاطه.»
سأله الأستاذ الجديد: «من هو؟»
فالتفت الأول يبحث عن مكاني، ثم قال مشيرا إلي: «ذلك الجالس على اليمين، في المقعد الثالث، ذو الصدرية الصفراء.»
خرج الأستاذ الأول، وبقيت مع الأستاذ الجديد.
بدأ أول درس في المستوى الثالث، ومن غير مقدمات شرع في قراءة الحديث نفسه. كنا نصغي إليه في هدوء، حتى بلغ السؤال: «فمن هو؟». عندها رفعت إصبعي، وسط استغراب التلاميذ جميعًا.
تفاجأ الأستاذ، ثم أشار إلي بالكلام.
قلت: «هو جبريل.»
ساد القاعة صمت قصير، وتعلقت بي عيون التلاميذ، بينما ظل الأستاذ ينظر إلي لحظات، ثم قال مبتسمًا:
«حسن جدًا… هو جبريل عليه السلام. ممتاز، هذا تميز منك.»
وفي المرحلة الإعدادية، خلال آخر فصل دراسي الذي كان يختتم بالامتحان الوطني الموحد المؤهل للثانوي، اعتُقل أستاذ اللغة العربية بسبب مواقفه السياسية، ضمن حملة طالت نقابة التلاميذ. فجاءتنا الإدارة بأستاذ آخر ليكمل معنا المقرر.
كان أستاذا فظا، غليظ الطبع، واسع المعرفة، يفوق أستاذنا الأول مستوى، لكننا لم ننسجم معه، لأننا لم نكن نستفيد من طريقته في التدريس. وبينما تضرر كثير من زملائي، لم يمسسني ذلك بضرر، لأنني لم أكن أعتمد في تحصيلي على ما أتلقاه داخل القسم وحده.
أجرينا الامتحان الموحد، وفي يوم توزيع الأوراق تأخرت عن الحصة، فلم ألج القسم. وبعد انتهاء الدرس، أخبرني زملائي أن الأستاذ أخذ ينادي على التلاميذ واحدا واحدا، حتى بلغ اسمي، فقيل له إنني غائب. عندئذ رفع ورقة الامتحان بين يديه، والتفت إلى التلاميذ قائلا:
«عجيب هذا التلميذ… عبقري في أجوبته.»
وفي المرحلة الثانوية، جاءت شهادة الدكتور محمد بنيس، حين قال أمام التلاميذ:
«منكم من يتلمس طريقه، وقد يصل، ومنكم واحد قد وصل. هذا التلميذ أجيزه أن يكتب الأدب، فمؤهلاته تفوق سنه.»
وأشار بأصبعه نحوي.
ثم نلت إجازة أخرى من الكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد، الذي كنت أعرض عليه نصوصي ليقومها ويكتب ملاحظاته عليها، ولا تزال تعليقاته مذيلة بتلك النصوص، كما فعل محمد بنيس، والشاعر ابزيكا.
كاتب واحد تأثرت به كثيرا، دون أن أجرؤ على مجالسته، لشدة ما كان يلازمني من حياء، هو محمد زفزاف. كان صديقا لأستاذي في الأدب، يحدثنا عنه كثيرا، ويدلنا على منزله والمقهى الذي اعتاد الجلوس فيه. وكنت، في طريق عودتي مساء من ثانوية مولاي إدريس بآنفا، أمر بالزقاق الذي يسكنه في المعاريف، فأراه جالسا في المقهى، لكنني لم أكن أملك الجرأة للدخول والجلوس إليه.
كان حيائي وخجلي سببا في تأخري في النشر.
وأتذكر أنني، وأنا في السنة الخامسة ابتدائي، قرأت رواية «البؤساء» دفعة واحدة، دون توقف.
وفي المرحلة الإعدادية، قرأت كل ما كتبه جبران خليل جبران، وتأثرت بأسلوبه وأفكاره إلى درجة أن محمد بنيس كتب في هامش أحد نصوصي ملاحظة لا تزال عالقة بذاكرتي، قال فيها: «باراكا من جبران.» وكان يقصد بذلك أن يدفعني إلى تنويع مشاربي الأدبية.
لم أكن أستهلك الكتب كما يُستهلك التبغ، بل كنت أدمن قراءتها في كل مناحي حياتي. ولم أكن أتصور نفسي جالسا من غير كتاب في يدي، حتى إنني، عندما لا أجد كتابا جديدا، أعود إلى ما سبق أن قرأته.
جبران، والمنفلوطي، وبنت الشاطئ، ونجيب محفوظ… كانت هذه الأسماء من أكثر ما شدني إلى القراءة، غير أنني، وأنا أقرأها، لم أكن أشعر برغبة في تقليدها، بل كنت أشعر بقدرة على تجاوزها. فالكتاب، في نظري، كان يمنحني قوة التجاوز، لا نزعة التقليد.

4 . في زمن أصبحت فيه المعرفة سريعة التداول، هل ترى أن القراءة العميقة ما تزال شرطا لتكوين المبدع، أم إن مفهوم الثقافة نفسه تغير جذريا؟
ج: قد تتغير أساليب المعرفة، وقد تزداد تنوعا، غير أن مفهوم الثقافة الحقّة يبقى ثابتًا لا يتغير. فالثقافة، في معناها الحقيقي، ليست مجرد تراكم للمعلومات، وإنما هي تعمق وتجذر وغوص بعيد في المعرفة.
وهذا التعمق لا تتيحه، في كثير من الأحيان، المعرفة التي غدت سريعة الإيقاع. فالسرعة، كما تكون قاتلة في ميدان السياقة، قد تكون كذلك في ميدان الإبداع؛ إذ لا يثمر الإبداع الحقيقي إلا بالصبر والتأمل وطول المعاناة.
سلطة الأستاذ واستقلال المبدع

5. مررت بتجارب توجيه مع أسماء وازنة مثل أبزيكا ومحمد بنيس. كيف يمكن للمبدع أن يستفيد من سلطة الأستاذ دون أن يتحول إلى امتداد لأسلوبه أو أسير لمرجعيته؟
ج لا أخفيكم أن توجيهات الأستاذ محمد بنيس أسهمت في تشكيل ذلك القلم المتمرد الذي صرت إليه، لكنها، في المقابل، جعلتني أسير مرجعيته. فما إن أفرغ من كتابة نص حتى أضعه، في ذهني، على ميزان محمد بنيس، فأراه دون المستوى الذي رسمه لي، فأمزق الورقة، أو أهمل النص، أو أتحاشى إظهاره للناس.
كان محمد بنيس، بالنسبة إلي، نعمة بقدر ما كان ابتلاء؛ فقد منحني الثقة في موهبتي، لكنه رفع في داخلي سقف الكتابة إلى حد جعلني لا أرضى بما أكتب.
في سبعينيات القرن الماضي، شعرت بأنني أملك من التجربة ما يؤهلني لإصدار أول مجموعة أدبية. وقفت أمام الأستاذ محمد بنيس أستشيره في الأمر، فسألني إن كنت قد فاتحت إحدى دور النشر، فأجبته بالنفي. فقال لي، بالحرف:
«حين تريد النشر، لا تنشر شيئًا. ناولني كتاباتك، وأنا أتكفل بها.»
قلت في نفسي: «أنا، بهذا العمر، يخاطبني محمد بنيس بهذا اليقين؟ لا… لا بد أنه يمازحني.»
وهكذا بقيت جامدًا، متسمرًا في مكاني، أسيرًا لهاجس المرجعية؛ فلا أنا ناولت محمد بنيس ما كتبت، كما طلب مني، ولا أنا تمردت على هذا الخوف وانفتحت على غيره. وظلت كتاباتي حبيسة الأدراج، لا يعوقها ضعف الإيمان بها، وإنما ثقل المعيار الذي كنت أقيسها به.

6. الإجازة التي منحك إياها محمد بنيس كانت اعترافا مبكرا بموهبتك. لكن متى شعرت أنك تجاوزت الحاجة إلى شهادة الآخر، وأن النص وحده أصبح مصدر شرعيتك؟
ج: هي إجازة مبكرة لم أستثمرها كما ينبغي.
شعوري بالتجاوز كان شعورا يغيب ويحضر، يظهر ويختفي كثعلب محمد زفزاف.
بعد النشر في مجلة الثانوية، كان أول نص لي تم نشره سنة 1978 على صفحات جريدة ” المحرر” لسان حزب ” الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية” بالمغرب.
لم يكن الأمر سهلا أن تنشر لك جريدة لا تنشر إلا لجهابذة الفكر والأدب، و أنت لا تزال تلميذا بالمرحلة الثانوية. هنا أحسست بشيء من التجاوز لشهادة الآخر.

7. يفصل بين أول قصيدة منشورة لك وأول كتاب ما يقارب أربعة عقود. هل كان هذا التأخر فعل مقاومة لمنطق الاستعجال، أم نتيجة تصور خاص يرى أن النشر ليس بداية الكتابة بل نتيجتها؟
ج: في مجال النشر، العبرة ليست بالكم، بل العبرة بماهية النشر.
لم يكن الكم أبدا معيارا ولا مقياسا للكاتب، بل المقياس هو نوعية الكتابة وتفردها و أسلوب تجديدها و إضافتها حقلا غير مقتحم من قبل.
حين نذكر ابن بطوطة، فإننا لا نذكر له غير المقدمة. و حين نذكر الشاعر الفرنسي” أرثر رامبو” فإننا لا نذكر له إلا ( المركب السكران (Le Bateau ivre)) و هو ديوان عبارة عن قصيدة نثر طويلة خلدت ذكراه. حين نذكر المتنبي، فإننا لا نعرف غير ديوان ” الحماسة”، و حين نتذكر الشاعر العراقي بدر شاكر السياب ، فإننا لا نتذكر غير ” أنشودة المطر”، و الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، لا نتذكر له غير ” أغاني الحياة”.
خلاصة، العبرة ليست بالكم، بل بعمق ما نكتب. لذلك لم أكن أبدا مأخوذا بالنشر ولا مهتما بعدد ما أنشر، بقدر ما أنا مهووس بالبحث عن النص الجيد، النص الوحيد الذي علي كتابته ايمانا بأنه نص ابداعي لم أعثر عليه إلى اليوم. لذلك، فأنا مقل في مجال النشر، وسأبقى مقلا إلى أن أجد نفسي مفترعا خصيصة النص الأدبي.

8. كيف تنظر اليوم إلى العلاقة بين زمن الإبداع، الذي يحتاج إلى التراكم، وزمن السوق الثقافية، الذي يفرض الإيقاع السريع والاستهلاك المستمر؟
ج: لم يكن أبدا زمن الإبداع في حاجة إلى تراكم، بقدر ما هو في حاجة إلى تجاوز المألوف.
مفهوم السوق حين يكون هو المحرك الرئيسي للأدب، فإننا نسقط في ما سقط فيه فن الغناء من سفافة وابتذال: (هذا ما يريد الجمهور).
الإبداع لا ينبغي له أن يتمثل السوق بالمفهوم التجاري، إذ الإبداع الحق لا يتناسب مع مفهوم البيع والشراء.
زمن الإبداع أرى ملخصه قولة الأصمعي في شعر حسان بن ثابت: ” ” الشعر نكدٌ بابه الشر، فإذا دخل في الخير ضعف “، ولم يعتد بالتراكم أو الإيقاع أو السوق.
سؤالك هذا يحيلنا إلى الحوار التاريخي الشهير الذي دار بين الشاعر العباسي “أبي تمام” ومنتقديه عندما سألوه: “لماذا تقول ما لا يُفهم؟”، فرد عليهم ببديهة حاضرة: “ولماذا لا تفهمون ما يُقال” .

9. كتبت القصة والشعر والرواية. هل كان انتقالك بين الأجناس الأدبية بحثا عن الشكل الأنسب، أم أن كل جنس كان يمثل طريقة مختلفة للتفكير في الإنسان والعالم؟
ج: الكتابة، في جوهرها، فعلٌ واحد، أما اختلاف الأجناس الأدبية فلا تفرضه رغبة الكاتب، بقدر ما تفرضه اللحظة الإبداعية وحدود الفكرة.
فاختيار الرواية، أو الشعر، أو القصة القصيرة، أو غيرها من الأجناس الأدبية، لا يكون اختيارًا اعتباطيًا، وإنما تمليه طبيعة الفكرة، وإيقاعها الداخلي، ومدى قدرة كل جنس على احتواء الرسالة، إلى جانب ما يتيحه التجريب المستمر من وعي بإمكانات الكتابة وحدودها.
فالأفكار الرحبة التي تستدعي بناء العوالم، وتشابك الشخصيات، واتساع الزمن، تجد فضاءها الطبيعي في الرواية. أما المواقف المكثفة، أو اللحظات الشعورية الخاطفة، فتجد تعبيرها الأوفى في القصة القصيرة أو قصيدة الومضة.
وحين تهيمن الموسيقى الداخلية، وتتكثف المجازات، وتغدو اللغة نفسها محور التجربة، يكون الشعر هو الأقرب إلى التعبير. أما إذا استدعت الفكرة السرد المتصل، وتفاصيل الحياة اليومية، واتساع الحكي، فإن النثر يغدو خياره الطبيعي.
وفي النهاية، فإن من يملك اللغة لا تعوزه الأجناس الأدبية؛ لأن اللغة هي الوعاء الذي يحملها جميعًا، وهي الأصل الذي تستمد منه القوالب الإبداعية مشروعيتها وقدرتها على التعبير.

10. عندما تنتهي من كتابة نص، بأي معيار تحاكمه: بقدرته على الإدهاش الجمالي، أم بقدرته على زعزعة يقين القارئ؟
ج: محاكمة النص تبدأ عندي منذ المخاض الأول ، أي قبل أن تتحول الفكرة إلى رسم. هنا تنتصب المحكمة بكل طاقمها وبكل طقوسها، بيدها الطولى وبأجهزة الإدانة و الدفاع و الشهود لمحاكمة النص قبل ميلاده، فإذا ازداد يغدو مولودا لا أطيق محاكمته، بل أحرره من قيودي، وأتركه يرتع في فلاة القراء، يقتات من خشاش الذائقة الأدبية ما يجعله مدهشا، أو مزعزعا يقين القاريء ؛ أو يكون مقرفا منفرا.
قليلا ما أعود لنص ما بعد كتابته، فغالبا ما أفرغ الفكرة دفعة واحدة و أنتهي دون تعديل أو ترميم أو محاكمة. شيء وحيد أحرس على العناية به: ضبط اللغة، إذ النص حين يلبس لغة ضعيفة أو تطاله هفوات لغوية، يغدو نصا لا قيمة له.
الثقافة العربية وتحولات المشهد

11. هل تعتقد أن أزمة الثقافة العربية اليوم هي أزمة إنتاج، أم أزمة مؤسسات، أم أزمة تلقي؟ وأين تضع الكاتب داخل هذه المعادلة؟
ج: الثقافة هي انتاج مجتمعي، فكيفما يكون المجتمع، تكون ثقافته، تماما كنظام الحكم في مجتمع ما، إذ كيفما تكونوا يُولّ عليكم.
حين نتحدث عن أزمة الثقافة، فإننا نتحدث عن هامش الحرية، نتحدث عن القرار السياسي لمجتمع ما، نتحدث عن اهتمام الفرد.
الثقافة هي شمولية نمط عيش مجتمع ما، وضمنها يكون الإبداع في شتى المجالات، و منها الكتابة التي تعتبر جزءا من الثقافة وليست هي كل الثقافة.
و الكتابة إن لم تجد فسحة حرية، لا تنتج لنا إبداعا. اللغة كائن يتجمهر داخل الذات، و حين تجد حريتها تنفجر ماءا زلالا لذة للشاربين.
و لا أتصور ابداعا، أو كتابة في مجتمع حين يسمع حاكمه مصطلح كتابة، يتحسس مسدسه.
الإبداع يربو في بحبوحة الحرية.

12. في ظل هيمنة الوسائط الرقمية، هل انتقلت السلطة الثقافية من النص إلى الخوارزمية؟ وما أثر ذلك في مستقبل الأدب؟
ج: النص كائن حي، يتكون، ينمو، يتغذى، يتنفس؛ و بالتالي فالوسائط الرقمية لا تمنح النص الميدان الأليق بالنمو.
الخوارزمية هي مناول جافة، تقيس و ترتب و تصنف و تخرج النص من خلال قالب جاهز. هنا لا نتحدث عن الإبداع بقدر مانتحدث عن صناعة جافة لا روح فيها.
النص حين تعوزه الروح، يبقى أرضا قاحلة لا جمال فيها ولا متعة تسر الناظرين.
النقد والإبداع

13. ما الحدود الفاصلة بين النقد بوصفه معرفة، والنقد بوصفه سلطة رمزية تعيد توزيع الاعتراف داخل الحقل الثقافي؟
ج: ما الأسبق؟ هل النص سابق على النقد؟ أم النقد هو الأسبق؟
اعترض النحوي عبدالله بن أبي اسحاق على الفرزدق في بيت شعري، حين اعترض عن اعراب بيت للشاعر، فرد الفرزدق ردا صار قاعدة وفاصلا بين الناقد و الكاتب/الشاعر.
الشاعر يبدع، و على الناقد الإتباع.
قال ابن أبي اسحاق للفرزدق: لماذا قلت كذا وكذا؟
فجاء رد الفرزدق:”قلته على ما يسوؤك وينوؤك، علينا بالقول وعليكم بالتأويل” _ أو “بالإتباع”
كذلك جاءت مدرسة الديوان التي أسسها كل من عباس محمود العقاد و ابراهيم المازني، حين ألَّفا كتاب” الديوان في الأدب و النقد”، كجواب ورد على أحمد شوقي؛ الذي أفرط في التقليد الذي أنتج لنا شعرا مفتقرا للمشاعر الصادقة.
الناقد عليه أن يبدأ من حيث انتهى الكاتب، و لا ينبغي للناقد أن يرسم الطريق التي،- عبرها-يوجه بوصلة الكتابة. القول سابق، واتباع القول هو التوزيع العادل للحقل الأدبي.

14. هل يحتاج الكاتب إلى ناقد يكشف إمكانات نصه، أم أن النص العظيم يمتلك في داخله آليات الدفاع عن نفسه ضد القراءات السطحية؟
ج: النص الجيد لا يحتاج إلا لقاريء يتقن فن التلذذ.

15. عندما تستعيد بداياتك اليوم، هل تراها بوصفها مرحلة انقضت، أم أنها لا تزال تمارس تأثيرها الخفي في كل نص جديد تكتبه؟
ج: الكاتب يتجدد باستمرار، ومن لا يتجدد ينتهي.
نحن نسير أبدا، لا نقف، لا وجود للوقوف في عالم الإبداع. فإما أنك تسير إلى الأمام، أو أنك تسير القهقرى إلى الخلف، ومن يعتبر نفسه واقفا هو خارج الإحصاء و خارج الوجود.
البدايات تبقى بدايات، تبقى زمنا مضى ولن يعود، ولا يمكنها التأثير على حاضر يرتدي ثوب التجاوز.

16. إذا كانت الذاكرة مادة للكتابة، فكيف تمنعها من أن تتحول إلى حنين يعطل القدرة على إنتاج المستقبل؟
ج: الذاكرة كيان حي، تنشط كما أنها تتخرب.
” في كل نهاية، هناك بداية جديدة ” كما جاء على لسان الكاتب الفرنسي Saint- Exupery
في كتاب الأمير الصغير Le petit prince.

17. بعد أكثر من نصف قرن من القراءة والكتابة، إذا طُلب منك أن تختزل مشروعك كله في سؤال واحد توجهه إلى الثقافة العربية، فما هو السؤال الذي ترى أنه لم يُطرح بعد، مع أنه السؤال الأكثر إلحاحا؟
ج: السؤال الملح حاليا أختزله في ما يلي:
– متى يصدر قرار النهوض بالثقافة تماما كما رصدت كل الإمكانيات للنهوض بلعبة كرة القدم؟
في الختام، أشكر مهندس اللقاء محمد احمد طالبي على انتقائه السؤال بعناية فائقة، و السمو بالحوار إلى مراتب عالية، والتي من خلالها استطاع إخراج بعض مما كان مطمورا.
– مع تحيات هــري عبدالرحيم الكاتب الذي لا يزال يبحث عن نص يختزل حياة…..

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :