رحلة في ابعاد الإبداع سير وأثر
اعداد محمد احمد طالبي
اخراج حسن بوسرحان
[الكتابة رسالة… والإبداع رحلة لا تكتمل إلا بالقراءة والوعي]
تجربة إبداعية تتشكل على مهل، بين الشعر والقصة القصيرة، وتؤمن بأن الكتابة ليست مجرد تعبير عن الذات، بل هي أيضًا فعل وعي وجمال ومسؤولية. في هذا الحوار تفتح الأديبة سعاد الرايس نافذة على عالمها الإبداعي، متوقفة عند علاقتها بالشعر والقصة، وبالقراءة والنقد، وبالمتلقي، كما تتأمل أسئلة الموهبة والتجربة، وتجدد الأجناس الأدبية، ودور الكتابة في بناء الوعي وصقل الرؤية. إنها شهادة فكرية وإبداعية تكشف جانبا من مسار أدبي يرى في الكلمة رسالة، وفي الإبداع رحلة متواصلة نحو اكتشاف الذات والإنسان والعالم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س: بين الشعر والقصة، أين تجدين ذاتك الإبداعية؟ وما الذي يفرض اختيارك لفن دون الآخر لحظة الكتابة؟
ج: كان اهتمامي دائمًا بالشعر والقصة، لكنني كنت أجد ذاتي الإبداعية أكثر في كتابة الشعر، وإن كنت قد جربت الكتابة القصصية منذ مرحلة الدراسة الإعدادية. وكانت علاقتي بالقصائد، قراءةً وإبداعًا، تشغل مساحة كبيرة من اهتمامي ووقتي، مما جعلني أميز بين مراحل في تطور تجربتي الشعرية.
أما ما يجعلني أختار القصيدة أو القصة القصيرة لحظة الكتابة، فالأمر يأتي عفويًا، إما تحررًا من ضغط شحنة انفعالية ذاتية تجد ما يلائم التعبير عنها في قصيدة، أو بحثًا عن متنفس لشحنة موضوعية فكرية بالدرجة الأولى، فأجدني، بشكل عفوي، أعبر عنها من خلال قصة قصيرة.
س: في ديوانك (لوحات الإبحار)، هل كانت القصيدة محاولة لفهم الذات أم وسيلة لإعادة اكتشاف العالم؟
ج: في ديواني (لوحات الإبحار) أقترب كثيرًا من ذاتي الإبداعية للكشف عن علاقتي بالحرف والقصيدة، وإبحاري عبر أمواجها، في كل مرة تجدف بي الحروف باحثة عن نفسي وعن معاني الحياة والذات الإنسانية عامة.
فالقصائد في هذا الديوان تعكس رؤى مختلفة عن علاقتي بالواقع والذات، والتقاط ذبذبات شاعريتي المرهفة تجاه كل ما يستأثر باهتمامي من غيرة على قيم الحق والخير والجمال. وفي ذكر بعض عناوين القصائد ما يشير إلى هذا التنوع، على سبيل المثال: (إشراقات، من وحي الجذور، حياة الموج، أنت رمز الشموخ، مسافات، إلهام، قوارير عطري…).
س: إلى أي حد يكتب المبدع وفق قناعته الجمالية بعيدًا عن انتظار استحسان المتلقي؟
ج: الكتابة عند كل مبدع يجب أن تنبثق من قيم وقناعات فكرية وفنية وجمالية تشكل تجربته الإبداعية وحرية اختياراته.
وعن مدى تأثير المتلقي في قناعات الكاتب، فإن على المبدع أن يكون واعيًا بأفق انتظار المتلقي، وهو يكتب يفكر فيه ويحاول تطوير تجربته في الكتابة ليأتي بجديد من أجل ترك أثر ملموس في نفسه. وكل نص إبداعي يترك ذلك الأثر ويخلق الدهشة لدى المتلقي يكون قد حقق رسالته الفنية، واحترم في الوقت نفسه انتظارات القراء.
س: مع كثرة النصوص المنشورة، هل أسهم الكم في تطور الكتابة أم جعل التميز أكثر صعوبة؟
ج: في تفاعل الأقلام المبدعة مع المنابر الثقافية والمنتديات والمجلات الإلكترونية يتدفق سيل من النصوص المنشورة، وهذا جميل، إذ يدل على وجود حركة ثقافية ومواهب تحاول مواكبة سيرورة الإبداع في عدة فنون أدبية.
لكن تزايد الكم من تلك النصوص الإبداعية لا يعني بالضرورة إسهامًا في تطور الكتابة، بل يخلق صعوبة في التمييز بين الجيد والعادي فيما يكتبه المبدعون، كما يصبح التميز أكثر صعوبة، ويتطلب الأمر متابعة النقاد للكم المتزايد من النصوص وتقييمها.
س: هل ما زالت القراءة النقدية قادرة على توجيه الذائقة الأدبية، أم يعتمد المبدع على رؤيته الخاصة أكثر؟
ج: للقراءات النقدية دائمًا أهميتها ودورها الكبير في تتبع التجارب الإبداعية، وتقييم جوانب تطورها وجودتها، وانتقاد ما تقع فيه من تعثرات.
وفي غياب مواكبة النقاد، أحيانًا كثيرة، لما يكتب وينشر عبر عدة منابر أدبية، يعتمد المبدع على رؤيته الخاصة، لكنه مطالب بالاطلاع على أصول الفن الأدبي، وتاريخ تطوره، ومظاهر التجديد التي يشهدها الفن الأدبي الذي يبدع فيه، حتى يلم بشروط الكتابة وأبعادها المختلفة.
س: ما مسؤولية الكاتب في صقل تجربته؟ وهل تكفي الموهبة وحدها لبناء مشروع إبداعي متماسك؟
ج: الكاتب المبدع صاحب رسالة تجاه فنه ومجتمعه وقرائه، لذلك عليه أن يبحث باستمرار ويقرأ كثيرًا ويصقل تجربته، لأن الموهبة وحدها لا تكفي لبناء مشروع إبداعي متماسك.
فكل عمل جيد لا يأتي إلا بعد اطلاع وجهد، ولا يصل أي مشروع إبداعي إلى النضج والاكتمال إلا بعد الاطلاع على تجارب أخرى، وإغناء الفكر والموهبة بقراءات وآراء نقدية، وانفتاح على آفاق ثقافية مختلفة.
س: ما الذي يجعل نصًا إبداعيًا يبقى في الذاكرة، بينما تتلاشى نصوص أخرى بعد قراءتها مباشرة؟
ج: الجودة وصدق الإحساس في إبداع نص معين هما ما يجعلان لذلك النص قيمة وأثرًا لا ينسى في نفس وذهن المتلقي.
ولا يصل المبدع إلى تحقيق هذه المستويات من الجودة وعمق الأثر إلا بصدق التفاعل مع الواقع، وبعد النظر، ورهافة ذوقه الأدبي، ومهارته في إبداع أسلوب يميزه، يرضى عنه ويرضي القراء.
س: هل تعيش القصة القصيرة اليوم مرحلة تجدد فني، أم ما زالت تبحث عن قارئ يمنحها ما تستحقه من اهتمام؟
ج: تعرف القصة القصيرة اليوم انتعاشًا وإقبالًا متزايدًا عليها، سواء من طرف أدبائها أو القراء، ربما لمسايرتها لروح العصر، فهي بمثابة لمحة سريعة موجزة ومكثفة عن مظهر أو حالة نفسية معينة، ولا تتطلب الكثير من الوقت لقراءتها.
كما يعرف هذا اللون القصصي تجددًا فنيًا باستمرار، مع كثرة التجارب واختلاف بعض تقنيات وأساليب كتابتها من قاص إلى آخر، مما يضع أمام القراء مادة قصصية متجددة التيمات والأساليب الموظفة فيها، رغم محدودية مساحتها التعبيرية والفضاء الذي تتحرك فيه شخصياتها.
س: هل الكتابة قادرة على خلق وعي جديد لدى الكاتب والقارئ معًا؟ وكيف تنعكس هذه العلاقة في تجربتك الإبداعية؟
ج: الكتابة، بصفة عامة، تنطلق من وعي الأديب برسالة الكلمة ودوره كمثقف في المجتمع، يرغب في التعبير عن مواقف وقضايا تشغله، وبذلك فهو يسعى إلى المساهمة في تسليط الضوء على فكرة أو حالة، وتوعية القارئ بطريقة غير مباشرة.
فالكتابة الهادفة تخلق وعيًا بطريقتها الفنية الخاصة. ومن خلال تجربتي الإبداعية المتواضعة في كتابة القصيدة أو القصة القصيرة، أجدني منفعلة ومتأثرة بمظهر ما في الواقع أو بحالة معينة أرغب في التعبير عنها بطريقة غير مباشرة، سواء من خلال قصيدة أو قصة قصيرة، لأحرك اهتمام ومخيلة المتلقي، وأشركه في تأمل الواقع وإعادة النظر في مواقفه، لتعميق فهمه للواقع المعبر عنه، من أجل التغيير إلى الأفضل، وإدراك أبعاد علاقتنا جميعًا بأمور قد تبدو بسيطة حولنا، لكنها تتطلب روح مسؤولية وموقفًا جديدًا.
س: هل يكتمل المشروع الإبداعي بقراءة تجارب الآخرين، أم أن الإفراط في القراءة قد يؤثر في خصوصية الصوت الإبداعي؟
ج: في نظري، لا يصل أي مشروع إبداعي إلى مستوى النضج والاكتمال إلا بعد الاطلاع على تجارب الآخرين، وإغناء الفكر بقراءات كثيرة وآراء نقدية، ووعي بمسار تطور الأساليب.
ويبقى لكل أديب صوته الإبداعي الخاص الذي يميزه عن الأصوات الأخرى، والذي يضيف لمسته في المشهد الأدبي، الذي يغتني بتراكم الأعمال الأدبية وتميز تجربة عن أخرى.