إعداد وتحرير حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي.
حين تصبح «قلة الإمكانيات» شماعة جاهزة لإبعاد الصحافة… فهل نحن أمام إكراه مالي أم عقلية إقصائية؟
من المفارقات التي تستحق التوقف عندها في الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني الغيواني أن تظاهرة تحتفي بالذاكرة الفنية المغربية وتستحضر تاريخ المجموعات الغيوانية، تجد نفسها في مواجهة سؤال بسيط لكنه محرج: كيف يمكن أن نطالب بتوثيق الذاكرة، بينما يتم التضييق على من جاء ليقوم بمهمته الإعلامية ويوثقها؟

القضية ليست قضية مقعد في قاعة، ولا امتيازاً يبحث عنه مراسل، ولا دعوة إلى مائدة أو سهرة. القضية أكبر من ذلك بكثير؛ إنها تتعلق بمنطق التعامل مع الصحافة.
فقد حضر مراسل أحد المواقع الإلكترونية الندوة الخاصة بالمهرجان، التي نظمت بالمركب الثقافي نور الدين بكر التابع إدارياً لمقاطعة الفداء، وقام بواجبه في التغطية والمتابعة، قبل أن يجد نفسه أمام قرار إقصائه من مواصلة تغطية فعاليات المهرجان، مع تقديم المبرر المعتاد: «قلة الإمكانيات».
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي.
منذ متى أصبحت قلة الإمكانيات سبباً لمنع صحفي من أداء عمله؟
إذا كانت ميزانية المهرجان محدودة، فهذا شأن تنظيمي يمكن تفهمه. أما أن تتحول محدودية الإمكانيات إلى مبرر لإقصاء منبر إعلامي، فذلك يحتاج إلى تفسير أكثر إقناعاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتظاهرة تحمل صفة الوطنية.
والأكثر إثارة للاستغراب أن هذا التبرير، حسب ما يثار، ليس جديداً، بل أصبح أشبه بـأسطوانة مستهلكة تتكرر منذ سنوات كلما تعلق الأمر بالتعامل مع بعض المراسلين والمنابر الإعلامية.
وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة:
هل فعلاً لا توجد إمكانيات؟ أم أن الإمكانيات موجودة ولكن توزيعها على الإعلاميين يخضع لمنطق آخر؟
وإذا كانت الإمكانيات لا تسمح باستقبال جميع المنابر، فلماذا لا يتم الإعلان عن ذلك مسبقاً وبشكل واضح وموحد؟ ولماذا لا يتم اعتماد معايير مهنية معلنة تنطبق على الجميع دون استثناء؟
فالصحفي ليس موظفاً لدى المهرجان، والمراسل ليس تابعاً للمنظمين. مهمته أن ينقل الحدث إلى الجمهور، وأن يسأل، وأن يوثق، وأن يقدم صورة عن التظاهرة كما وقعت، لا كما يرغب البعض في أن تظهر.
والأكثر غرابة أن بعض المهرجانات تنفق جهوداً كبيرة في البحث عن التغطية الإعلامية، ثم عندما يحضر الصحفي فعلاً ويقوم بعمله، يصبح فجأة «عبئاً» بسبب قلة الإمكانيات!
هذه مفارقة تستحق أن تطرح على طاولة النقاش.
نحن لا نطالب بمعاملة خاصة، بل بمعاملة مهنية.
ولا نطالب بأن تفتح الأبواب بلا ضوابط، بل نطالب بأن تكون الضوابط واضحة، معلنة، وعادلة على الجميع.
فإذا كان هناك اعتماد مهني، فليكن واضحاً. وإذا كان هناك عدد محدد من الصحفيين، فليتم الإعلان عنه. وإذا كانت الإمكانيات لا تسمح، فليتم اعتماد معيار موحد. أما أن يُترك الأمر للعلاقات الشخصية والانطباعات والمزاجية، فهنا تصبح الصحافة أمام مشكلة حقيقية.
والسؤال الأكثر إزعاجاً:
هل يريد بعض منظمي المهرجانات صحافة تغطي فقط، أم صحافة تغطي وتسأل وتنتقد؟
لأن الصحافة التي لا تسأل ولا تنتقد ولا تزعج أحداً ليست صحافة بالمعنى الحقيقي، بل مجرد واجهة إعلامية.
وإذا كان المسؤول عن المهرجان يعتقد أن إقصاء مراسل سيوقف التغطية أو يمنع الأسئلة، فهو واهم؛ فالصحافة اليوم لم تعد مرتبطة ببطاقة دعوة، ولا بمقعد في قاعة، ولا بمرور عبر بوابة هذا المسؤول أو ذاك.
ثم إن المهرجان الوطني الغيواني ليس ملكاً لشخص أو جهة؛ إنه تظاهرة ثقافية وفنية يفترض أن تكون مفتوحة للجمهور والإعلام، وأن تظل فوق الحسابات الشخصية.
أما الذاكرة الغيوانية التي يتم الاحتفاء بها، فهي أكبر من أن تُختزل في برنامج سهرة أو ندوة أو تكريم. إنها ذاكرة شعب، وفن، وكلمة، وموقف، وتاريخ طويل.
ومن المفارقات فعلاً أن نتحدث في الندوات عن حماية الذاكرة وتوثيق الإرث الفني للأجيال المقبلة، ثم نضيق ذرعاً بمن يحاول توثيق الحاضر.
فأي ذاكرة نريد أن نحفظ؟ ومن نريد أن يسمح له بتوثيقها؟
إن ما وقع، بعيداً عن الأشخاص، يستحق أن يكون مناسبة لمراجعة العلاقة بين المهرجانات والإعلام. فالمسؤول الناجح ليس من يحيط نفسه فقط بمن يصفق له، وإنما من يفتح أبوابه حتى أمام الصحفي الذي قد يطرح سؤالاً لا يعجبه.
لأن قوة المهرجان لا تقاس بعدد الفنانين فوق الخشبة فقط، ولا بعدد الصور المنشورة، وإنما أيضاً بقدرته على احترام الصحافة، وتقبل النقد، والانفتاح على مختلف الأصوات.
وفي النهاية، تبقى «قلة الإمكانيات» حجة يمكن تفهمها عندما تكون عامة وواضحة وعادلة…
لكن عندما تصبح العبارة نفسها تتكرر لسنوات، وفي كل مرة في مواجهة الصحافة، فمن حق الرأي العام أن يسأل:
هل المشكلة فعلاً في قلة الإمكانيات… أم في قلة الرغبة في استقبال صحافة مستقلة؟.
