رحلة في أبعاد الإبداع سير وأثر ،،،،حينما يتشكّل الوعي والذاكرة، رغم التوزيع الجغرافي

كتب : الأحد، 09 أغسطس 2026 - 12:56 م رحلة في ابعاد الإبداع سير وأثر

رحلة في أبعاد الإبداع سير وأثر
اعداد محمد احمد طالبي
اخراج حسن بوسرحان

1. بين أبي الجعد، حيث الميلاد، وأكادير، حيث تشكّل الوعي والذاكرة، تتوزع جغرافيا تجربتك الشعرية بين مكانين لا يبدوان مجرد محطتين في السيرة. إلى أي حد تصنع الأمكنةُ الشاعرَ، وإلى أي حد يعيد الشاعر اختراع أمكنته حين يحولها من جغرافيا عابرة إلى ذاكرة شعرية؟

ج. أعتقد أن المكان لا يصنع الشاعر وحده، لكنه يترك في داخله البذرة الأولى التي ستعود إليها الكتابة كلما حاولت أن تفهم ذاتها. أبو الجعد بالنسبة إلي ليس مجرد مكان ولدت فيه، كما أن أكادير ليست مجرد مدينة عشت فيها منذ سن الرابعة؛ كلاهما تحوّل، مع الزمن، إلى جزء من تكويني الداخلي.
في أبي الجعد تشكلت البدايات الأولى: تفاصيل الطفولة، الأصوات، الحكايات، رائحة البيوت العتيقة لمدينة، ذاكرة العائلة، وذلك العالم المغربي التقليدي الذي كان يتسلل إلى الوجدان قبل أن نمتلك القدرة على تسميته. ثم جاءت أكادير باعتبارها فضاء آخر لتشكل الوعي؛ مدينة مختلفة في إيقاعها وأسئلتها، فتحت أمامي أبوابا جديدة لرؤية الذات والعالم.
لكنني لا أظن أن العلاقة بين الشاعر والمكان تسير في اتجاه واحد. فكما يصنع المكان شيئا من الشاعر، يعيد الشاعر، حين يكتب، صناعة المكان أيضا. المكان الذي يدخل القصيدة لا يعود هو المكان نفسه الذي تتحدث عنه الجغرافيا؛ يصبح مكانا داخليا، مشبعا بالذاكرة والحنين والأسئلة وما تركته التجربة فيه.
لهذا ربما لا أكتب عن أبي الجعد أو أكادير كما هما على الخريطة، وإنما أكتب عن أبي الجعد وأكادير كما استقرا في داخلي. والشعر، في جوهره، هو هذه القدرة على أن نحول المكان من جغرافيا إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى معنى.
وقد يكون أجمل ما يفعله الشاعر بالمكان أنه يمنحه حياة أخرى؛ حياة لا تقاس بالمسافة ولا بالزمن، وإنما بما يتركه في الروح.

2. يحمل ديوانك الأول «مسك القافية» عتبةً توحي بالاحتفاء بالموسيقى الشعرية، بينما تتسع تجربتك لاحقاً في «غُزَيِّل» و«غزال» لتجاور الفصيح والزجل، وتلامس قضايا الإنسان والمجتمع. هل كان هذا الانتقال بحثاً عن أشكال أكثر اتساعاً للقول، أم أن القصيدة نفسها هي التي قادتك تدريجياً إلى تحرير صوتك من سلطة الشكل الواحد؟

ج. أميل إلى القول إن القصيدة هي التي قادتني أكثر مما قدتها أنا. حين بدأت كتابة الشعر، كنت شديدة الاحتفاء بالإيقاع والقافية، وربما كنت أبحث من خلالهما عن ذلك الأمان الموسيقي الذي يمنح القصيدة اكتمالها الأول. وكان «مسك القافية» قريبا من هذه المرحلة؛ مرحلة اكتشاف اللغة، والإنصات إلى موسيقاها، والبحث عن صوتي داخل انتظامها.
لكن الشاعر، كلما تقدم في تجربته، يكتشف أن القصيدة أكبر من القالب الذي بدأ منه. بدأت أشعر أن بعض الأفكار والمشاعر لا تريد أن تقال بالطريقة نفسها، وأن اللغة نفسها كانت تطلب مني أن أترك لها مساحة أكبر للحركة والتنفس. وهكذا جاء الانتقال إلى الفصيح والزجل لا باعتباره قطيعة مع ما سبق، وإنما باعتباره توسعا في إمكانات الصوت الشعري.
في «غُزَيِّل» و«غزال» أصبحت القصيدة أكثر التصاقا بالإنسان، بتناقضاته وأسئلته وعلاقته بالمجتمع والذاكرة والحب والحياة. وأصبح الاختلاف بين الفصيح والزجل بالنسبة إلي اختلافا في أدوات التعبير، لا في قيمة الشعر.
أنا لا أؤمن كثيرا بالحدود الصارمة بين الأشكال. ما يهمني في النهاية هو أن تكون القصيدة صادقة مع تجربتها، وأن تجد اللغة التي تليق بها. أحيانا تحتاج القصيدة إلى فخامة الفصحى، وأحيانا تحتاج إلى حرارة الزجل وقربه من نبض الناس.
لذلك أرى أن تجربتي لم تنتقل من شكل إلى آخر بقدر ما تحررت تدريجيا من فكرة أن للشعر شكلا واحدا. وكلما تحررت القصيدة من القالب، شعرت أنني أقترب أكثر من صوتي الحقيقي.

3 . شاعرة تمارس الكتابة في فضاء مهني شديد الصلة بالأرقام والقوانين والضبط، وفي الوقت نفسه تنتمين إلى عالم الشعر، حيث المجاز والانفلات والاحتمال. كيف يتعايش في داخلك هذا التوتر بين عقلٍ يطالب الأشياء بالدقة، وشعرٍ لا يكتمل إلا حين يترك للغموض حقه في الوجود؟

ج. لا أراه تناقضا بقدر ما أراه نوعا من التوازن. العمل الإداري علّمني أن التفاصيل مهمة، وأن الكلمة قد تكون لها آثار دقيقة، وأن المسؤولية تقتضي الوضوح والانضباط واحترام القانون. لكن الشعر علمني في المقابل أن الإنسان ليس رقماً، وأن ما لا تستطيع الجداول والملفات أن تقوله قد يكون أحيانا هو الأكثر أهمية.
في العمل أبحث عن الإجابة الدقيقة، أما في الشعر فأبحث أحيانا عن السؤال الذي يبقى مفتوحا.
ولعل أجمل ما حدث أن المجالين لم يعودا يتصارعان داخلي. العقل الذي تعلم التنظيم والانضباط يمنحني القدرة على بناء القصيدة، والشاعرة التي تبحث عن المعنى تمنح ذلك العقل شيئا من المرونة والخيال.
أنا أعيش بين عالمين، لكنني لا أشعر أنني منقسمة بينهما. ربما لأن الإنسان نفسه ليس كائنا أحاديا. يمكن للمرء أن يكون دقيقا في عمله، وحالما في كتابته؛ أن يحترم القانون، وفي الوقت نفسه يترك للخيال حقه في أن يسأل عما وراء القانون؛ أن يتعامل مع الأرقام نهارا، ثم يبحث مساء عن الرقم السري للروح.
وربما لهذا أحتاج إلى الشعر. إنه المساحة التي لا أكون فيها مطالبة بإغلاق كل الاحتمالات. هناك، أستطيع أن أترك للغموض مكانه، وللحدس صوته، وللأسئلة أن تعيش من دون أن أستعجل الإجابة عنها.
الدقة تحميني في الواقع، والغموض يحميني في الشعر.

4. في تجربتك حضور واضح للزجل المغربي، ليس بوصفه مجرد اختيار لغوي، بل باعتباره حاملاً لذاكرة ثقافية وتراثية. كيف تنظرين إلى العلاقة بين الزجل والحداثة؟ وهل يمكن للغة التراثية أن تصبح أداةً لإنتاج حساسية شعرية جديدة، بدل أن تتحول إلى مجرد استعادة نوستالجية للماضي؟

ج. بالنسبة لي، الزجل المغربي ليس لغة من الماضي، وإنما ذاكرة حيّة تستطيع أن تتجدد كلما وجد من يصغي إليها بعين الحاضر.
أنا لا أتعامل مع الزجل باعتباره موروثا ينبغي أن نحفظه داخل صندوق زجاجي، بل باعتباره مادة إبداعية حية. فيه إيقاع الشارع والبيت والسوق والحكاية الشعبية، وفيه حكمة الأجداد وسخريتهم وذكاؤهم وقدرتهم على اختزال تجربة كاملة في جملة واحدة.
لكن الوفاء للتراث، في رأيي، لا يعني أن نكرر ما قيل. الوفاء الحقيقي هو أن نفعل به ما فعله السابقون بلغتهم: أن نجعله قادرا على التعبير عن زمنهم.
لهذا أرى أن الزجل يستطيع أن يكون حداثيا جدا من دون أن يفقد مغربيته. فالحداثة ليست في أن نهجر لغتنا الشعبية، وإنما في أن نطرح من خلالها أسئلة الإنسان المعاصر.
وحين أكتب الزجل، لا أريد أن أعيد الماضي كما كان، بل أريد أن أستدعي روحه إلى الحاضر. أن أجعل اللغة التي كانت تحكي بها الجدات، وتروى بها الأمثال، وتقال بها الحكايات، قادرة أيضا على أن تتحدث عن الإنسان المغربي اليوم، عن تحولات المجتمع، وعن الحب والخيبة والذاكرة والاغتراب.
لذلك أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث للتراث هو أن نحوله إلى متحف. أما حين نسمح له بأن يتنفس داخل الحاضر، فإنه لا يعود نوستالجيا، بل يصبح مادة لصناعة المستقبل.

5 . انتقلت قصائدك من الصفحة إلى الغناء، ومن الكتاب إلى الصورة، ولامست تجربتك الشعرية المجال السينمائي من خلال أفلام قصيرة اختيرت في مهرجانات دولية. هل ترين أن القصيدة حين تغادر الورق إلى الصورة والصوت تفقد شيئاً من استقلالها، أم أنها تستعيد في الفنون الأخرى جوانب من شعريتها كانت اللغة المكتوبة عاجزة عن احتوائها؟

ج. أعتقد أن القصيدة حين تغادر الورق لا تغادر الشعر بالضرورة. أحيانا تكون القصيدة مثل بذرة؛ تكتب على الورق، لكنها تحمل في داخلها إمكانات أخرى للصوت والصورة والموسيقى والمشهد.
حين تنتقل القصيدة إلى الغناء، تكتشف موسيقى لم تكن تسمعها بالطريقة نفسها وهي مكتوبة. وحين تدخل إلى الصورة، تبدأ الكلمات في رؤية العالم من زاوية أخرى. وربما هنا تكمن قوة الفن: أن العمل الإبداعي لا يعيش دائما في الشكل الذي ولد فيه.
لا أشعر أنني أفقد القصيدة حين أسمح لها بأن تدخل عالما فنيا آخر، بقدر ما أشعر أنني أكتشف فيها طبقات جديدة. الصورة قد تقول ما تعجز الكلمات عن قوله، والموسيقى قد تمنح الإحساس بعدا آخر، والصوت قد يعيد تشكيل معنى كنت أظنه مستقرا على الصفحة.
أما السينما، فهي بالنسبة لي تجربة خاصة، لأنها تجعل الشعر يتحرك في الزمان والمكان، وتمنحه وجها وصوتا وإيقاعا. وحين تصل تجربة شعرية إلى أفلام قصيرة وتجد طريقها إلى مهرجانات دولية، فإن ذلك يمنح النص حياة أخرى، ويجعل الثقافة المغربية قادرة على العبور إلى متلق لا يعرف بالضرورة اللغة التي كتبت بها القصيدة.
لكنني في النهاية أظل مؤمنة باستقلال القصيدة. الصورة لا ينبغي أن تكون بديلا عنها، والغناء لا ينبغي أن يلغي حضورها المكتوب. أجمل ما يمكن أن يحدث هو أن تتجاور الفنون، وأن يضيء كل فن منطقة لا يستطيع الآخر أن يضيئها وحده.
فالقصيدة لا تفقد هويتها حين تتعدد أجسادها؛ ربما تكتشف، عبر ذلك، اتساع روحها.

6. «مسك القافية» ثم «غُزَيِّل» ثم «غزال»؛ تبدو العناوين نفسها وكأنها تكشف تحولات داخل التجربة، لا مجرد تسميات خارجية للدواوين. هل تنظرين إلى هذه الأعمال بوصفها كتباً مستقلة، أم فصولاً متعاقبة في مشروع شعري واحد يتغير إيقاعه كلما تغير وعيك بذاتك وبالعالم؟

ج. أراها كتبا مستقلة من حيث ولادتها وتجربتها، لكنها في العمق تنتمي إلى مشروع شعري واحد. ربما يشبه الأمر مراحل متعاقبة في حياة صوت واحد؛ لكل مرحلة نبرتها وأسئلتها، لكنها لا تنفصل تماما عما سبقها.
«مسك القافية» كان بالنسبة لي بداية علاقة واعية بالموسيقى الشعرية، وبذلك الشغف الأول باللغة والإيقاع والقافية. ثم جاءت التجربة لتتسع، وتصبح أكثر انفتاحا على الإنسان وعلى أسئلة الذات والمجتمع، فكان «غُزَيِّل» و«غزال» امتدادا لهذا التحول.
حتى العناوين، كما أشرت في السؤال، تحمل شيئا من هذا المسار. هناك انتقال في الإيقاع والدلالة، وربما في علاقتي باللغة نفسها. ومع كل ديوان كنت أشعر أنني لا أكتب الكتاب نفسه من جديد، وإنما أكتب من مكان داخلي مختلف.
الشاعر، في رأيي، لا يكتب الديوان فقط؛ الديوان أيضا يكشف للشاعر أين أصبح.
ولهذا لا أستطيع أن أنظر إلى كتبي باعتبارها جزرا منفصلة. هي أقرب إلى مجرى واحد تتغير مياهه كلما تغيرت الأرض التي يعبرها.
وإذا كان ثمة مشروع يجمعها، فهو مشروع البحث عن صوتي، لا البحث عن شكل ثابت لهذا الصوت. وكل ديوان جاء ليقول شيئا لم يكن ممكناً قوله بالطريقة نفسها في الديوان الذي سبقه.
لذلك أرى أن «مسك القافية» و«غُزَيِّل» و«غزال» ليست مجرد محطات ثلاثة للنشر، وإنما ثلاثة وجوه لشاعرة واحدة وهي تتعلم، عبر الكتابة، أن ترى نفسها والعالم بعيون مختلفة.

7. تتجاور في تجربتك الفصحى والزجل، وتتنوع موضوعاتك بين الذاتي والاجتماعي والتراثي والإنساني. كيف تشتغلين على بناء صوت شعري يظل محتفظاً بخصوصيته وسط هذا التعدد؟ وهل ترين أن تنوع التجربة يثري الهوية الشعرية؟

ج. ربما لم أشتغل على بناء صوتي الشعري بالطريقة التي يشتغل بها الإنسان على مشروع مخطط له منذ البداية. الصوت الشعري، في اعتقادي، لا يصنع بقرار مسبق، وإنما يتشكل تدريجيا من خلال تراكم التجربة، ومن خلال الطريقة التي يرى بها الشاعر العالم ويتفاعل معه.
قد تتغير اللغة بين الفصحى والزجل، وقد يتغير الموضوع من تجربة ذاتية إلى سؤال اجتماعي أو ذاكرة تراثية، لكن هناك شيئا أعمق يظل ثابتا: الرؤية. وأنا أعتقد أن خصوصية الشاعر لا تكمن بالضرورة في أن يكتب بلغة واحدة أو في موضوع واحد، وإنما في الطريقة التي يحوّل بها ما يراه ويعيشه إلى شعر.
بالنسبة لي، الفصحى والزجل ليسا صوتين متعارضين، بل أداتان مختلفتان لصوت واحد. هناك قصائد لا أستطيع أن أقولها إلا بالفصحى، لأن الفصحى تمنحها فضاءها الخاص، وهناك قصائد أشعر أن الزجل أقرب إلى نبضها، إلى ذاكرتها وإلى علاقتها بالإنسان المغربي.
والأمر نفسه ينطبق على الموضوعات. حين أكتب عن ذاتي، فأنا لا أنفصل بالضرورة عن المجتمع، وحين أكتب عن المجتمع أجد شيئا من ذاتي مختبئا في الموضوع. وحتى التراث، حين أعود إليه، لا أعود إليه باعتباره ماض مغلقا، وإنما باعتباره جزءا من تكويني ومن الذاكرة التي أحملها.
لذلك لا أخشى من تنوع التجربة، بل أراه شرطا من شروط نضجها. التنوع لا يشتت الهوية الشعرية إذا كانت هناك رؤية تجمعه؛ بالعكس، قد يكشف جوانب لم تكن ظاهرة من قبل.
أشعر أنني كلما منحت نفسي الحق في أن أكتب ما يلح علي، باللغة التي تحتاجها القصيدة، وبالشكل الذي يناسبها، اقتربت أكثر من صوتي.
وربما لهذا لا أبحث عن أن تكون قصائدي متشابهة، وإنما أبحث عن أن تكون صادقة الانتماء إلى الصوت نفسه.
فالهوية الشعرية، في نظري، ليست أن يكرر الشاعر نفسه، بل أن يستطيع أن يتغير دون أن يفقد جوهره.

8. صدرت ترجمة إنجليزية لـ«مسك القافية»، وهنا تواجه القصيدة امتحاناً بالغ الحساسية: كيف تنتقل الموسيقى والإيحاء والثقافة المحلية من لغة إلى أخرى دون أن تتحول الترجمة إلى مجرد نقل للمعنى؟ وهل تعتقدين أن ما يُترجم من شعرك هو الكلمات، أم العالم الكامن خلف الكلمات؟

ج. الترجمة الشعرية، في رأيي، ليست نقلا من لغة إلى لغة بقدر ما هي عبور من عالم إلى عالم. ولذلك أعتقد أن أصعب ما يواجه المترجم ليس معنى الكلمة، وإنما ما تحمله هذه الكلمة من موسيقى وذاكرة وإيحاء وثقافة.
خصوصا حين يتعلق الأمر بالشعر المغربي، لأن بعض الكلمات لا تحمل معناها المعجمي فقط؛ تحمل معها رائحة المكان، وذاكرة الناس، وطريقة خاصة في النظر إلى الحياة. وقد تكون كلمة بسيطة في ظاهرها، لكنها تختزن خلفها حكاية أو إحساسا لا يمكن أن ينتقل حرفيا إلى لغة أخرى.
لهذا لا أنتظر من الترجمة أن تكون نسخة مطابقة للنص الأصلي، فهذا يكاد يكون مستحيلا في الشعر. ما أتمناه هو أن تنجح في نقل روحه، وأن تجعل القارئ الذي لا يعرف العربية يشعر بأن وراء الكلمات عالما كاملا، لا مجرد مجموعة من المعاني المترجمة.
وأظن أن الموسيقى هنا تواجه التحدي الأكبر. فالقافية والإيقاع والتكرار ليست زينة خارجية في القصيدة، وإنما جزء من بنيتها العاطفية. لذلك قد يضطر المترجم أحيانا إلى التضحية ببعض التطابق الحرفي لكي يحافظ على الأثر الشعري.
بالنسبة لي، ما يترجم من شعري ليس الكلمات وحدها. الكلمات هي الباب، أما ما أرجو أن يعبر من خلاله فهو العالم الكامن خلفها: المكان، والذاكرة، والإنسان، والثقافة، والإحساس الذي جعل القصيدة تولد أصلا.
وربما تكون الترجمة الناجحة هي التي تجعل القارئ في اللغة الأخرى يشعر بشيء لا يستطيع تفسيره تماما، لكنه يعرف أنه حقيقي. عندها تكون القصيدة قد عبرت الحدود دون أن تفقد روحها.
فأنا لا أريد أن تترجم قصيدتي فقط؛ أريد أن يتاح لعالمها أن يرى بلغة أخرى.

9. في زمن أصبحت فيه الكتابة الشعرية متاحة للجميع تقريباً، وأصبح النشر أسرع من القراءة، كيف تميزين بين قصيدة تُنتجها الرغبة في التعبير وقصيدة تُنتجها ضرورة شعرية حقيقية؟ وما الذي يجعل النص، في رأيك، يتجاوز لحظة كتابته ليصبح تجربة قابلة للبقاء؟

ج. أعتقد أن الرغبة في التعبير هي البداية، لكنها ليست دائما كافية لصناعة الشعر. الإنسان قد يرغب في أن يقول شيئا لأنه تألم أو فرح أو أحب أو خسر، لكن الشعر يبدأ، في رأيي، عندما تتحول هذه الرغبة الشخصية إلى تجربة قادرة على أن تلامس شيئا إنسانيا يتجاوز صاحبها.
هناك نصوص نكتبها لأننا نحتاج إلى الكلام، وهناك نصوص نشعر أننا كنا نحتاج إلى كتابتها حتى لو لم يكن هناك أحد ينتظرها. هذا هو الفرق الذي أبحث عنه بين الرغبة والضرورة.
القصيدة التي تأتي من ضرورة شعرية حقيقية لا تكون مجرد تفريغ للمشاعر. إنها تعيد تشكيل الشعور نفسه. تجعل التجربة الخاصة قابلة لأن يجد فيها شخص آخر شيئا من حياته، حتى لو لم يعش الظروف نفسها.
وفي زمن السرعة، ربما يصبح الصمت جزءا من الكتابة. أنا لا أعتقد أن كل ما نشعر به يجب أن يتحول فورا إلى نص، ولا أن كل نص يجب أن ينشر. أحيانا تحتاج القصيدة إلى أن تترك قليلا، حتى نعرف هل كانت ولادتها حقيقية أم أنها مجرد انفعال عابر.
أما ما يجعل النص قابلا للبقاء، فلا أظنه مرتبطا بموضوعه وحده. قد يكتب شاعران عن الحب نفسه، لكن إحدى القصيدتين تموت بانتهاء لحظة كتابتها، بينما تظل الأخرى قادرة على لمس قارئ بعد سنوات.
البقاء يأتي، في رأيي، من اجتماع الصدق مع اللغة، ومن قدرة النص على أن يحمل أكثر من قراءة، وأن يترك في القارئ أثرا لا ينتهي بانتهاء السطر الأخير.
ولذلك لا أبحث حين أكتب عن أن تكون القصيدة جميلة فقط، بل عن أن تكون ضرورية. لأن الجمال قد يلفت القارئ لحظة، أما الضرورة الشعرية فقد تجعله يعود إلى النص بعد سنوات.
وأظن أن الزمن هو الاختبار الأكثر عدلا للشعر. ما كتب لإرضاء اللحظة قد يبقى أسيرها، أما ما خرج من تجربة إنسانية عميقة، وصيغ بلغة تمتلك حياتها الخاصة، فيملك فرصة لأن يعبر اللحظة إلى ما بعدها.
القصيدة التي تستحق البقاء هي التي لا تنتهي حين ينتهي الشاعر من كتابتها، بل تبدأ حين ينتهي القارئ من قراءتها.

10. بين القصيدة التي تُقرأ، والقصيدة التي تُغنّى، والصورة التي تمنح الشعر جسداً بصرياً، تبدو تجربتك مفتوحة على أكثر من نافذة فنية. كيف تصوغين هذا العبور بين الأجناس والفنون، وهل ترين أن لكل قصيدة شكلها الذي تبحث عنه، أم أنك تبحثين عن جوهر شعري واحد يتخذ في كل مرة هيئة مختلفة؟

ج. أميل إلى الاعتقاد بأن القصيدة هي التي تبحث عن شكلها، لا الشاعر وحده. حين تولد الفكرة أو الإحساس، لا أبدأ عادة بالسؤال: في أي قالب سأضعه؟ بل أترك النص يقودني إلى اللغة والإيقاع والصورة التي يحتاج إليها، إلى أن صار لي دون قصد مني إيقاع خاص بي.
هناك قصيدة يكفيها أن تقرأ في صمت، لأن قوتها في المسافة التي تتركها بين الكلمة والقارئ. وهناك قصيدة تشعر بأنها تريد صوتا، وموسيقى، ونبضاً آخر، فتجد طريقها إلى الغناء. وأحيانا تكون الصورة مختبئة داخل النص منذ البداية، فتأتي السينما أو الفن البصري لتكشفها وتمنحها جسدا لم يكن ممكناًَ للكلمات وحدها أن تمنحه.
لذلك لا أتعامل مع الانتقال بين الفنون باعتباره مغادرة لجنس أدبي إلى جنس آخر، وإنما باعتباره توسيعا لمساحة الشعر. الشعر، في جوهره، أوسع من القصيدة المكتوبة؛ يمكن أن يسكن في صوت، أو في مشهد، أو في إيقاع، أو حتى في لحظة صمت.
ومع ذلك، لا أبحث عن تحويل كل قصيدة إلى شيء آخر. بعض القصائد يكون اكتمالها على الورق، وأي إضافة إليها قد تنتقص من المساحة التي تتركها لخيال القارئ. لذلك أحاول أن أصغي إلى النص نفسه، وأن أترك له حرية أن يقول لي: ما الشكل الذي أحتاجه؟
ربما لهذا أرى أنني لا أبحث عن أشكال متعددة بقدر ما أبحث عن جوهر شعري واحد. هذا الجوهر قد يرتدي في كل مرة ثوبا مختلفا، لكن الروح التي تحركه تظل واحدة: البحث عن المعنى، وعن الإنسان، وعن تلك اللحظة التي تتحول فيها التجربة الشخصية إلى شيء يستطيع الآخر أن يتعرف إليه.
وأعتقد أن أجمل ما في الفن هو هذه الحرية. فالقصيدة لا ينبغي أن تجبر على البقاء في المكان الذي ولدت فيه. إذا كانت لديها طاقة للغناء، فلتغن. وإذا كانت تحمل صورة، فلتتحول إلى صورة. وإذا كان أقصى ما تريده هو أن تبقى بين صفحتين وتنتظر قارئا يكتشفها، فذلك أيضا شكل من أشكال الحياة.
أنا لا أبحث للقصيدة عن جسد واحد؛ أبحث عن المكان الذي تستطيع فيه أن تكون أكثر حياة.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :