أعداد وإخراج حسن بوسرحان
الموقع الإليكتروني الأفق المغربي
٠٠أ لا يوجد شاعر أشعر من شاعر ئعلى إطلاق القول، كما لا يصح أن نجعل شاعراً أحسن من شاعر في كل وجوه الشعر؛ فلكلٍ خصوصيته التي تتشكل من قدرته اللغوية، ومعرفته، وبيئته، وتجربته، وطريقته في بناء المعنى والتعبير عنه، وقد يكون أكثر معرفة باللغة وأوسع إحاطة بطرائقها، أو أشد بلاغة وبياناً، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أنه أشعر من غيره، لأن الشعر لا يقوم على المعرفة اللغوية وحدها، وإنما يتأسس كذلك على القدرة على توظيف هذه المعرفة في موضعها المناسب.
وتظهر قيمة الشاعر في مدى توافق العبارة مع المعنى، وفي قدرته على اختيار اللفظ الذي ينسجم مع المقام والسياق، فاللفظة الواحدة قد تتعدد دلالاتها بحسب طريقة استعمالها؛ فقد يوظفها شاعر في معناها اللغوي المباشر، بينما يستعملها الآخر بوصفها مصطلحاً يحمل دلالة خاصة، فتختلف المعاني رغم اتحاد اللفظ والسياق الظاهري، ومن تتجلى أهمية الوعي باللغة، حيث إدراك طاقتها الدلالية وقدرتها على إنتاج معانٍ متعددة بحسب المقام، كما أن الكناية والاستعارة وسائر الصور البلاغية لا تنفصل عن البيئة التي نشأ فيها الشاعر، ولا عن الزمن الذي أنتج فيه نصه، فالصورة تحمل في داخلها آثار المكان والزمان والثقافة والتجربة، ولذلك لا يمكن فهم القصيدة فهماً كاملاً بمعزل عن سياقها الزمكاني، فما يبدو للقارئ اليوم استعارة غامضة أو كناية بعيدة قد يكون في بيئة الشاعر وزمنه صورة مألوفة واضحة الدلالة، والعكس صحيح.
ولهذا فإن قراءة الشعر ينبغي أن تنطلق من مفهوم النص بوصفه بناءً مرتبطاً بزمانه ومكانه، وبالمعرفة التي كانت متاحة للشاعر والمتلقي معاً، فالشاعر يكتب داخل بيئة لغوية وثقافية واجتماعية تمنح ألفاظه وصوره دلالاتها، ومن ثم فإن التفاوت بين الشعراء لا يكون دائماً في جودة الشعر ذاتها، قد يكون في نوع المعرفة، وفي القدرة على استخدام اللغة، وفي اختيار اللفظ، وفي بناء الصورة، وفي وضع العبارة في موضعها الذي يمنحها أقصى طاقتها الدلالية والجمالية، وبذلك يصبح الاختلاف اختلافاً في طرائق بناء المعنى وتشكيله، لا مجرد تفاوت بسيط بين شاعر جيد وآخر أفضل منه. فالشعر تجربة لغوية وجمالية ومعرفية في آن واحد، وكلما ازدادت قدرته على الجمع بين هذه العناصر، استطاع أن يمنح نصه عمقاً يتجاوز المعنى المباشر إلى آفاق أوسع من الدلالة، ويجعل القصيدة بناءً حياً لا يُفهم إلا من خلال لغته وسياقه وزمانه ومكانه.
يمكن القول إن الألقاب التي أُطلقت على بعض الشعراء، مثل «أمير الشعراء» أو «سيد الشعراء»، لا ينبغي أن تُفهم بوصفها أحكاماً مطلقة ونهائية على الشعر كله، لأن الشعر يتشكل داخل بيئات مختلفة، ولكل بيئة لغتها وإشاراتها وإيحاءاتها ومعاييرها الجمالية والمعرفية، فالشاعر ابن زمانه ومكانه، وما يبدو في عصره غاية في البلاغة والتفوق قد يُقرأ في عصر آخر قراءة مختلفة، لأن المسافة الزمنية تغير طرائق التلقي، وتبدل دلالات الألفاظ والصور والتراكيب.
فأحمد شوقي شاعر عصره وبيئته، كما أن المتنبي شاعر زمانه، وابن زيدون شاعر تجربته، وامرؤ القيس وعنترة ابنا بيئتهما الشعرية والثقافية، وليس معنى ذلك أن هؤلاء يمثلون نهاية الشعر أو أنهم استوفوا كل إمكاناته، وهذا يعني أنهم بلغوا في سياقاتهم درجات عالية من التعبير والابتكار، وفي المقابل، قد يكون هناك شعراء لم تنل نصوصهم القدر نفسه من الشهرة، وظلوا في الظل، ثم يأتي قارئ إلى شعر أحدهم فيجده أكثر قرباً إلى ذائقته أو أعمق أثراً في نفسه، و قد يراه أشعر من أولئك الذين استقر لهم اللقب والشهرة، ولعل شعر الإمام الشافعي مثال واضح على أن الشعر لا يقاس دائماً بما استقر له من الأسماء والألقاب؛ فقد يجد القارئ في بعض أبياته قوة شعرية وصدقاً في التجربة ووضوحاً في الحكمة تجعله يراه أشعر مما نُسب إليه من حيث القيمة الشعرية وحدها، وكذلك الحلاج يمثل تجربة مختلفة تماماً، لأن شعره متصل بتجربة روحية وفكرية خاصة، فتتغير معه طبيعة اللغة والصورة والإشارة، ويصبح المعنى مفتوحاً على مستويات لا يمكن اختزالها في معيار واحد للشعر.
ومن هنا تبدو البيئة مصدراً مهماً للكلمة والصورة والإيحاء، لكنها ليست العامل الوحيد في صناعة الشاعر، فالشاعر المتميز هو الذي لا يكتفي بما تمنحه له بيئته، وإنما يعيد تشكيل هذا الموروث ويمنحه نظاماً جديداً داخل النص، والأفضل ليس بالضرورة من امتلك أكبر قدر من الألفاظ أو أكثرها غرابة، فالأمر يعود إلى من استطاع أن يمنطق ما يبدو في ظاهره غير منطقي، وأن يحول التجربة المتناقضة إلى بناء شعري قابل للتلقي، وأن يدمج التخييل بواقعية النص دون أن يلغي أحدهما الآخر.
فالتخييل لا يعني الانفصال عن الواقع، كما أن واقعية النص لا تعني التخلي عن الخيال، إنما تكمن قوة الشعر في قدرته على جعل المتخيل يبدو ممكناً، وجعل الواقع يتجاوز صورته المباشرة إلى دلالة أعمق، وحين ينجح في ذلك، تصبح الكلمة أكثر من مجرد لفظ، والصورة أكثر من مجرد زخرفة، والقصيدة أكثر من مجرد وصف لتجربة؛ إذ تتحول إلى عالم مستقل له منطقه الداخلي، يستمد مادته من البيئة، لكنه يعيد إنتاجها وفق رؤية الشاعر وطاقته في بناء المعنى.
وبذلك لا يعود السؤال الحقيقي: من هو أمير الشعراء ومن هو سيدهم؟ وإنما يصبح السؤال: أي شاعر استطاع أن يجعل لغته الخاصة قادرة على تجاوز حدود زمانه وبيئته، وأن يمنح تجربته شكلاً يجعلها قابلة لإعادة الاكتشاف كلما تغير القارئ وتغير الزمن؟ فالشاعر الكبير من استطاع أن يترك في النص إمكانية دائمة لأن يُقرأ من جديد، وأن يكشف كل عصر فيه معنى لم يكن ظاهراً في عصر سابق.
وبهذا نجد أن الأزمنة التي اشتعلت فيها الحروب، وكثرت فيها المعاناة، واحتدمت فيها الصراعات، كانت بيئة خصبة لظهور تجارب شعرية مختلفة، لأن الشعر لا ينفصل عن الإنسان في لحظات اضطرابه وانكساره وقلقه وأمله، فالحرب لا تصنع الشاعر بالمعنى المباشر، لكنها قد تضعه أمام أسئلة وجودية وإنسانية وسياسية عميقة، وتدفعه إلى البحث عن لغة قادرة على التعبير عن الألم والخوف والفقد والانتظار، ومن هنا قد تنشأ تجربة شعرية أكثر اشتعالاً وصدقاً، كما أن القضايا السياسية والاجتماعية، وما يصاحبها من صراعات داخلية وخارجية، يمكن أن تكون عاملاً في تكوينه وصناعة حساسيته تجاه الواقع، فهو الذي يعيش وسط قضية حقيقية لا يكتب عن فراغ، وإنما يجد نفسه في مواجهة أسئلة تتعلق بالحرية والعدالة والهوية والظلم والمصير، وكلما اتسعت المسافة بين ما يعيشه الإنسان وما يطمح إليه، ازدادت حاجته إلى التعبير، وقد تتحول هذه الحاجة إلى شعر حين تمتلك التجربة القدرة على الانبثاق في اللغة قبل أن يكون زخرفة لفظية أو استعراضاً للبلاغة، هو كلمة تحمل قضية، وليس المقصود بالقضية أن يكون الشاعر منشغلاً بالسياسة وحدها، فهو أن تكون له رؤية تجاه العالم، أو سؤال يؤرقه، أو تجربة يريد أن يمنحها معنى، فالشاعر الذي لا يحمل قضية ولا هدفاً ولا سؤالاً حقيقياً قد يستطيع نظم الكلام، لكنه يجد صعوبة في إنتاج ذلك الاشتعال الحسي والانفعال الوجداني الذي يمنح القصيدة حياتها.
والقضية في الشعر لا تعني أن يتحول النص إلى خطاب مباشر أو بيان سياسي؛ فالشعر حين يفقد تخييله يتحول إلى تقرير، وحين يكتفي بالشعار يفقد قدرته على البقاء، لذلك فإن الشاعر الحقيقي هو الذي يستطيع أن يحول القضية إلى تجربة جمالية، وأن ينقلها من مستوى الفكرة المجردة إلى مستوى الإحساس والصورة والإيقاع والإيحاء، عندها يصبح الألم نفسه لغة، ولا تعود القضية مجرد موقف، فقد تتحول إلى تجربة إنسانية قابلة لأن يشعر بها القارئ حتى لو لم يعش الظروف ذاتها.
ويمكن القول إن أعظم ما تمنحه الأزمات للشعر ليس موضوعاتها، هي كثافة التجربة التي تضع الإنسان أمام نفسه، فالمعاناة قد توقظ الحس، والصراع قد يفتح أبواب الأسئلة، والاضطراب قد يدفعه إلى اكتشاف لغة لم يكن ليكتشفها في ظروف أخرى، غير أن امتلاك القضية وحده لا يكفي؛ إذ لا بد من شاعر يستطيع أن يمنحها شكلاً فنياً، وأن يحول الاشتعال الداخلي إلى بناء شعري متماسك، يبدأ من القضية، لكنه لا ينتهي عندها، يبدأ من الواقع، ثم يعيد خلقه بالتخييل، وينطلق من المعاناة، ثم يحولها إلى معنى، ويتولد من الانفعال، ثم يمنحه الشاعر لغة قادرة على البقاء، ولهذا فإن الذي يجمع بين صدق القضية وعمق التجربة وقوة التخييل هو الأقدر على صناعة ذلك الاشتعال الحسي والانبعاث الوجداني الذي يجعل القصيدة أكثر من كلام، ويجعلها أثراً حياً لتجربة إنسانية تتجاوز زمانها ومكانها.
