تحرير وإعداد : حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي..
في قلب الدار البيضاء، حيث لا تنام الحكايات وحيث تتزاحم دروب الحي المحمدي بالذكريات وأصوات المارة وأهازيج الفن القديم، لم يكن الطفل عبد الكبير مغني يرى العالم كما يراه الآخرون. كانت الجدران العتيقة بالنسبة له ليست مجرد أسمنت وياجور، بل صفحات بيضاء تنتظر من يفك شفراتها ويمنحها روحاً ونفساً جديداً.

وبين أزقة هذا الحي الأسطوري الذي أثمر للوطن شعراء وفنانين ومبدعين، نشأ عبد الكبير وهو يحمل في قلبه عشقاً أصيلاً لكل ما هو مغربي. كان يرقب بائع الشاي، وجلسات الجدات في الفناء المفتوح، وتفاصيل الجلابة واللثام، ووشم العجائز اللائي يحملن التاريخ على وجناتهن. كل تلك المشاهد لم تكن تمر أمام عينيه مرور الكرام، بل كانت تنحفر في وجدانه لتتحول لاحقاً إلى خطوط وألوان تصوغ هوية بصرية فريدة.
انحياز للواقعية التراثية بعيداً عن الغموض.
وفي وقت يفضل فيه كثيرون الغرق في الغموض التعقيدي أو الفلسفات المجرّدة التي تبعد الفن عن ناسه، اختار عبد الكبير مغني طريق الفن بوضوح وشغف، منحازاً إلى ركاب الواقعية التراثية الكلاسيكية.

وبالنسبة له، فالعمل الفني ليس لغزاً يحتاج إلى مفاتيح للفك، بل هو لحظة تاريخية حية تُقتنص من قلب المشهد المغربي وتُخلد على الرقعة أو الجدار. إنه توثيق بصري ينبض بالحياة، تتجلى فيه دقة التفاصيل، وملامح الوجوه المتعبة الصادقة، وثنايا القماش المغربي الأصيل، ودفء الألوان في انعكاسات الشمس المغربية على الجدران الطينية والأزقة القديمة، فضلاً عن صدق المشهد في إعطاء كل لحظة شعبية حقها من الإجلال والتقدير.
ولقد جعل من ريشته حارساً أميناً للهوية والذاكرة الوطنية، يرمم بها ما قد ينساه الزمن، ويُعيد إحياء مشاهد مغربية أوشكت على الاندثار وسط صخب الحياة الحديثة.

كما لم يكتفِ الفنان عبد الكبير مغني بمساحات اللوحات الخشبية أو القماشية المحدودة داخل الصالونات والمعارض، بل انطلق بفرشاته إلى الفضاء العام، متحوّلاً إلى رسام جداري يزين جدران المدن، ليجعل الفن حقاً مشاعاً للجميع دون استثناء.
وعندما يقف أمام جدارية ضخمة، يتحول الجدار الصامت على يديه إلى ملحمة بصرية، إذ يرى المارةُ في جدارياته أنفسهم، يرون أجدادهم، وتاريخهم، وثقافتهم تتنفس في الشارع. وقد تحولت مشاركاته في مختلف الملتقيات الفنية والثقافية داخل المغرب وخارجه إلى محطات يشهد فيها الجميع على عبقرية بساطته وعمق أصالته.

كما لم يكن مستغرباً أن يلتفت إليه رواد الفن التشكيلـي وأهل الاختصاص ببالغ التقدير، فالوسط الفني لا يرى في عبد الكبير مغني مجرد رسام يجيد نقل الواقع، بل يعتبرونه قامة فنية فريدة استطاعت أن تبني لنفسها “بصمة خاصة” ووسماً لا يشبهه فيه أحد.
إن تميز عبد الكبير مغني لا يكمن فقط في إتقانه للرسم الكلاسيكي الواقعي، بل في قدرته العجيبة على ضخ الروح في اللحظة التاريخية، حتى يخيل إلى الناظر أنه يستمع إلى صدى المكان ويشعر بدفئه النابض.

وهكذا، يستمر ابن الحي المحمدي في مسيرته الفنية، ممسكاً بألوانه كمن يحمل مشعلاً يضيء زوايا التراث المغربي الأصيل، ليؤكد للعالم أن الفن الصادق هو ذلك الذي ينبع من الناس، ويعود إلى الناس، ليحفر اسمه بحروف من نور في ذاكرة التشكيل المغربي.

