بورتريه مدينة… و امرأة بين مكناس والدار البيضاء: حكاية خمسة عقود ونصف الجذر… التحول… الامتداد …

كتب : الخميس، 03 سبتمبر 2026 - 11:29 م ذاكرة المدن المغربية

إعداد وإخراج حسن بوسرحان
بقلم هناء ميكو
مكناس الزيتون، أمي الثانية، جوهرة الأطلس وموطني، مرتع الجمال والحب.
فيها استنشقت روحي نَفَسَها الأول، وفي فضائها تشكلت دهشتي الأولى بالعالم.
مدينة الحياة، ذات التاريخ المتأصل، والقصور والمساجد العتيقة، والرياضات الغنّاء، حتى استحقت لقب فرساي المغرب، واحتضنت صفحات من التاريخ جعلت منها تراثًا عالميًا، ومهدًا لحضارة وإمبراطورية، وعاصمةً للمغرب في عهد المولى إسماعيل.
مكناس مدينة تطوّقها الأسوار، وتتدلى على جدرانها أكاليل من كنوز التاريخ؛ أبوابها الشهيرة تزهو بالنقوش والرموز الناتئة، وتتآلف مع ألوان ترابية صارخة، تمنح الحجر بعدًا جماليًا آسرًا، وتترك في العين دهشة قابلة للامتداد.
وفي امتدادها نحو الأطلس، كانت الطبيعة تفتح لي صفحات أخرى من الجمال؛ غابات الأرز المهيبة، والمنحدرات النازلة من القمم، والمياه التي تتدفق في هيئة شلالات زلال، لتعانق الوديان والينابيع.

وكان للمدينة صوتها الخاص أيضًا؛ صدى موسيقى الملحون وأشعاره الموزونة، ينساب في الفضاء كأن الحجر نفسه يحفظ الإيقاع ويردده.
كل هذه التفاصيل شربها كياني قطرةً قطرة، وتشربتها عيناي قبل أن تعرف يدي طريقها إلى الفرشاة.
مكناس الزيتون، مرتع الحب، قصيدة من حجر، ومسقط رأسي، وطفولتي المدللة، حيث كانت خصلات شعري العسلية تلتقط الضوء، وحيث تهجّيت حروفي الأولى، وتعلمت أبجدية المكان قبل أبجدية الورق.
هناك، بين حمرية، والنجارين، وباب منصور، والروامزين، وصهريج السواني، تشكلت علاقتي الأولى بالجمال. كانت تلك الأمكنة تترك في عيني صورًا، وفي الذاكرة ألوانًا، وفي الروح إحساسًا خاصًا بالمكان.
من رحم أسوارها العتيقة ندّت ألواني، وتسرّبت إلى روحي أسرار الضوء والظل، كأن المدينة كانت تمسك بيدي وتقودني، بهدوء، نحو الفن.
لقد أغنت مكناس رهافتي الفطرية، تلك الرهافة المتعطشة إلى الجمال، التواقة إلى التفرد، المفعمة بالإحساس، القريبة من الدهشة والغرابة، في الأدب كما في الفن. ومنحت رؤيتي الفنية أفقها الأول وعمقها الذي أخذ يتشكل مع السنوات.
مكناس هادئة كالنسمة حين توضع على الجرح فيطيب؛ هواؤها موسيقى، ومعالمها نوتات تعزفها الذاكرة.
وفي قلب ذلك الهدوء كان حلم الفن يكبر، حتى صار نداءً يملأ الروح.

ثم جاء الرحيل.
الدار البيضاء… المدينة الغول
جئتها بعد حصولي على البكالوريا، أحمل حلم الدراسة الفنية، وأحمل في داخلي مكناس بكل ما تركته في روحي من زيتون وحجر وملحون وطفولة.
كانت الدار البيضاء أمامي مدينةً واسعة كالحلم، ضخمة كطموح شابة تحمل في قلبها سؤال الفن، مدينة ذات ألسن كثيرة، ونبض متسارع، وفضاءات مفتوحة على العالم. ولهذا أسميها المدينة الغول؛ غولةً جميلة، متعددة الأصوات، تلتهم المسافات، وتبتلع الساعات، وتمنح القادم إليها إيقاعًا جديدًا للحياة.
مدينة كوسموبوليتية الروح، تتقاطع فيها الأزمنة والأمكنة والأشخاص؛ العتيق يحاور الحديث، والحجر يصافح الزجاج، وذاكرة الأمس تمشي بمحاذاة إيقاع الغد. في شوارعها تتعانق اللهجات والثقافات والوجوه، فتتشكل فسيفساء بشرية تمنح المدينة مذاقها الخاص.
وفي هذا الاتساع كان عنوان حلمي واضحًا:
المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، شارع الراشيدي.
إليها مضيت، وقد دفعت من العمر والجهد والتضحيات الكثير. ضحيت بالكثير لأصل إليها، فإذا بها تمنحني من أجمل هبات العمر؛ مساحة أتنفس فيها الفن، ورفيق دربي، وفلذات كبدي.
هناك، بين اللون والضوء، وبين رائحة الألوان وبياض القماش، تشكلت يدي على إيقاع الفرشاة، وتفتحت عيناي على أسرار الشكل والخط.
وهناك كتبت أولى حروفي.
كانت الكلمات تنبت في الهامش، ثم تكبر شيئًا فشيئًا؛ حتى صار للوحة لسان، وللحرف لون، وللذاكرة قماشة تتسع لكل ما يفيض به العمر.
ومع السنوات، اكتشفتُ أن الدار البيضاء مدينة ملهمة إلى أبعد الحدود؛ مدينة تتقاطع فيها الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وتتآخى فيها الكتابة والفن، وتتداخل في فضائها عوالم مرئية وأخرى خفية. كأن للمدينة روحًا واسعة، تمتد من حركة الشارع إلى خفقة القلب، ومن صخب المقهى إلى همسة المخيلة، ومن الواجهة التي تراها العين إلى عوالم تستشعرها الروح.
فيها كان لكل شيء صدى؛ للأرصفة وقعها، للمقاهي حكاياتها، للواجهات الزجاجية لمعانها، للعمارات امتدادها، وللبحر لغته الزرقاء التي تمتد إلى الأفق.
بحرها فصل من سيرتها، ومرآة واسعة لأحلامها. أمامه كانت الروح تتسع، ويصبح الأفق مساحة للتأمل، وتغدو الموجة استعارةً للحياة؛ تأتي، تنحسر، ثم تعود بإيقاع جديد.
وفي فضائها، كان المرئي يجاور اللامرئي؛ للأمكنة أرواحها، وللأشياء ظلالها، وللصدفة مواعيدها، وللمخيلة قدرة على منح التفاصيل حياة ثانية.
كنت أرى كل ذلك بعين الفنانة؛ ألتقط من ازدحام المدينة خطوطًا، ومن ضجيجها إيقاعات، ومن تناقضاتها أسئلة، ومن ألوانها طبقات جديدة للوحة. وكانت الكتابة تمشي بمحاذاة الفرشاة، تحمل من اللون مذاقه، ومن الصورة كثافتها، ومن المدينة ذلك الفيض الذي يجعل الحكاية قابلة للتشكل في كل لحظة.
وهكذا أخذت الدار البيضاء ترسم صورتها في سيرتي، حيًّا بعد حي، وشارعًا بعد شارع، ووجهًا بعد وجه.
في شارع مولاي إدريس الأول، وحي الرجاء، والحي المحمدي، ومنظرنا بحي الشريفة في عين الشق، وجامع السنة بحي المسجد، وصولًا إلى البرنوصي، كانت الحياة تنثر على روحي علامات صغيرة، تراكمت مع السنوات حتى صارت ذاكرة كاملة.
لكل حيٍّ فيها حكاية عميقة مع وجداني؛ حكاية تشابكت فيها تفاصيل المكان مع تفاصيل العمر، حتى صار لكل زاوية ظلٌّ في الذاكرة، ولكل شارع نبضٌ خاص في القلب.
لكل حيٍّ حكايته التي تستحق كتابةً خاصة؛ كتابة تتسع لملامحه، لأصواته، لوجوهه، وللأيام التي تركت أثرها في روحي.
الدار البيضاء مدينة تُربي في ساكنها حس الحركة؛ تعلّمه أن يمشي سريعًا وقلبه يتأمل، وأن يلتقط الجمال من التفاصيل العابرة، وأن يحوّل اليوم العادي إلى ذاكرة تستحق أن تُروى.
ولها في وجداني مقام خاص؛ فهي المدينة التي احتضنت تحولي، وشهدت اتساع أحلامي، ورافقت خطواتي في دروب الفن والكتابة، وحملت بين شوارعها فصولًا من حياتي العائلية والإنسانية والإبداعية.
الدار البيضاء… مدينة تسكنني بقدر ما أسكنها؛ تركت في روحي اتساعها، وفي عينيها لمعان البحر، وفي ذاكرتي شوارع تمشي معي أينما ذهبت.
أنا أعطيتها سنواتي، وشغفي، وقلقي الجميل، وأحلامي التي كبرت بين شوارعها.
وهي منحتني الفن، والكتابة، ورفيق الدرب، وفلذات الكبد، وذاكرة جديدة تتكئ على ذاكرة مكناس.
مكناس منحتني الجذر.
والدار البيضاء منحتني الامتداد.
مكناس مسقط الرأس وذاكرة البدايات.
الدار البيضاء بيت الحلم وفضاء التحقق.
وبينهما…
أنا.
امرأة تحمل مدينة في قلبها، وتسكن مدينة أخرى، فتتجاور المدينتان في روحها، وتلتقيان في لوحتها، وفي حرفها، وفي رؤيتها للجمال.
خمسة عقود ونصف…
والحكاية مستمرة،
لونًا بعد لون،
وحرفًا بعد حرف،
وجذرًا يزداد عمقًا،
وجناحًا يواصل التحليق

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :