
ولم يكن الحضور مجرد متفرجين يجلسون في مقاعدهم لمتابعة أحداث المسرحية، بل وجدوا أنفسهم، في عدد من لحظات العرض، جزءا من الحكاية، يتفاعلون مع المواقف والشخصيات والأفكار، في تجربة جعلت الحدود بين الخشبة والقاعة تكاد تختفي.
المسرح حين يتجاوز حدود الفرجة
ما ميز هذا العرض بالخصوص هو قدرته على تحويل المسرح إلى وسيلة للتواصل المباشر مع الجمهور، حيث لم تعد الخشبة فضاء مغلقا يفصل الممثل عن المتلقي، بل أصبحت جسرا مفتوحا بين الاثنين…

وقد ساهمت مشاركة عدد من الممثلين الشباب، بقيادة المخرج بصالح، في منح العرض نفسا جديدا، يجمع بين الحضور الفني والطاقة الشبابية والقدرة على التفاعل مع الجمهور.
هذه المشاركة الشبابية لم تكن مجرد إضافة عدد من الوجوه الجديدة إلى الخشبة، وإنما عكست، في عمقها، أهمية منح الشباب فرصة التعبير والإبداع والمساهمة في القضايا التي تهم المجتمع.
فالمسرح، في مثل هذه التجارب، لا يكتفي بتقديم قصة أو شخصيات، وإنما يفتح المجال أمام الشباب ليكونوا فاعلين في صناعة خطاب ثقافي واجتماعي قادر على الوصول إلى مختلف الفئات.
الجمهور.. من متلق إلى شريك في العرض
من أبرز اللحظات التي طبعت العرض، تلك العلاقة الخاصة التي نشأت بين الممثلين والجمهور.
فالجمهور لم يبق خارج الحكاية، وإنما أصبح جزءا منها، يتفاعل مع مجرياتها، ويتجاوب مع المواقف التي تقدمها الخشبة…

وهنا تكمن قوة المسرح الحقيقي؛ حين يشعر المتلقي أن ما يحدث أمامه ليس بعيدا عنه، وأن الشخصيات والمواقف والأسئلة المطروحة يمكن أن تكون جزءا من حياته اليومية.
لقد استطاع العرض أن يجعل من القاعة فضاء للحوار غير المباشر، وأن يمنح الجمهور فرصة للتفكير والتفاعل، وربما إعادة النظر في بعض القضايا الاجتماعية التي اعتاد أن يمر أمامها دون توقف.
وهذا النوع من المسرح هو الذي يثبت أن الفن ليس ترفا، وأن الثقافة ليست مجرد نشاط موسمي، بل يمكن أن تكون أداة للتوعية والتغيير وبناء الوعي الجماعي.
بشرى عبدو: الفن أكثر تأثيرا في الوصول إلى الجمهور
وفي تصريح لها بالمناسبة، أكدت السيدة بشرى عبدو، رئيسة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، أن انفتاح الجمعية على الفن، وخاصة المسرح والسينما، يأتي انطلاقا من الإيمان بقدرتهما الكبيرة على التأثير في الجمهور والوصول إلى مختلف شرائح المجتمع….

وأوضحت أن الجمعية تراهن على توظيف الأشكال الفنية باعتبارها وسائط قادرة على إيصال الرسائل الاجتماعية بطريقة قريبة من الناس، بعيدا عن الخطاب المباشر الذي قد لا يصل دائما إلى المتلقي بنفس القوة.
وتحمل هذه الرؤية دلالة مهمة، مفادها أن الدفاع عن قيم المساواة والمواطنة لا ينبغي أن يظل محصورا في الندوات واللقاءات والخطابات، بل يمكن أن يجد طريقه أيضا عبر المسرح والسينما والفن عموما.
فحين تتحول الفكرة إلى شخصية مسرحية، وحين يصبح الموضوع الاجتماعي حوارا على الخشبة، وحين يرى المواطن نفسه أو محيطه في قصة فنية، تصبح الرسالة أكثر قربا وتأثيرا.
من الخشبة إلى الملاعب.. رسائل تصل إلى الجمهور
وأشارت رئيسة الجمعية كذلك إلى أن تجربة الجمعية في التواصل والتوعية لم تقتصر على الفضاءات الثقافية والفنية، بل امتدت إلى الملاعب الوطنية، حيث تم رفع العديد من التيفوهات التي تحمل رسائل ذات أبعاد اجتماعية وتوعوية…

وهو توجه يعكس رغبة الجمعية في الوصول إلى الجمهور في مختلف الفضاءات التي يرتادها، والاستفادة من قوة الصورة والرسالة الجماعية في إيصال القضايا التي تشتغل عليها.
فالملاعب الرياضية، مثلها مثل المسارح ودور الثقافة، أصبحت اليوم فضاءات قادرة على احتضان رسائل اجتماعية قوية، خصوصا عندما تتحول الجماهير إلى جزء من عملية التعبير الجماعي.
وهنا تلتقي الرياضة بالفن والعمل الجمعوي في نقطة أساسية: التأثير في الإنسان وصناعة الوعي.
شراكة دولية تعزز البعد الاجتماعي للبرنامج
ويأتي هذا البرنامج ضمن إطار شراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وهو ما يمنح المبادرة بعدا أوسع، ويؤكد أهمية توظيف الفن والثقافة في دعم القضايا المرتبطة بالمساواة والمواطنة وتمكين النساء وتعزيز الوعي المجتمعي..

وتبرز أهمية هذه الشراكة في الجمع بين العمل الميداني الذي تقوم به الجمعية وبين آليات التواصل الفني والثقافي، بما يسمح بتحويل القضايا الاجتماعية إلى رسائل تصل إلى الجمهور بطريقة أكثر تأثيرا وقربا….
شباب على الخشبة.. ورسالة تتجاوز العرض
إن مشاركة الممثلين الشباب في هذا العمل المسرحي تطرح سؤالا أكبر من حدود العرض نفسه: كيف يمكن للفن أن يكون مدرسة حقيقية للشباب؟
فالمسرح يمنح الشاب فرصة الوقوف أمام الجمهور، والتعبير عن أفكاره، واكتساب الثقة بالنفس، والعمل ضمن فريق، والتدرب على الانضباط والالتزام والمسؤولية.
ومن هنا فإن دعم الطاقات الشابة في المجال المسرحي ليس مجرد دعم لفن الفرجة، وإنما هو استثمار في الإنسان وفي المستقبل.
ولعل قيادة المخرج بصالح لهذا العمل، إلى جانب حضور هذه الطاقات الشابة، قدمت نموذجا على إمكانية الجمع بين التجربة والطموح، وبين التكوين والإبداع….

«تمارة مقسومة».. عنوان يفتح أكثر من سؤال
العنوان نفسه، «تمارة مقسومة / شقا دار حتى هوما خدمة »، يحمل طاقة رمزية واجتماعية تستحق التوقف عندها، ويضع المتلقي منذ البداية أمام أسئلة مرتبطة بالواقع والحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية.
فالمسرح الذي يختار عناوين قريبة من لغة الناس وهمومهم، ينجح في كسر الحاجز بين العمل الفني والجمهور، ويجعل المتلقي أكثر استعدادا للدخول في عالم العرض.
وهذا ما بدا واضحا خلال هذه الأمسية، حيث استطاعت المسرحية أن تجعل القاعة تعيش لحظات من التفاعل، وأن تحول العرض إلى مساحة مشتركة بين الممثلين والجمهور.
الفن.. حين يصبح مسؤولية اجتماعية
لقد أثبت هذا الموعد المسرحي أن الفن يستطيع أن يكون أكثر من مجرد لحظة للترفيه..

يمكن للفنان أن يطرح سؤالا، ويمكن للمخرج أن يفتح نقاشا، ويمكن للممثل أن يجسد معاناة أو موقفا، ويمكن للجمهور أن يخرج من القاعة وهو يحمل فكرة جديدة أو سؤالا لم يكن يفكر فيه من قبل.
وهذه هي قوة الفن.
إن المجتمع في حاجة إلى أعمال فنية تقترب من واقعه، وتناقش قضاياه، وتمنح صوته مساحة للتعبير، خصوصا في زمن أصبحت فيه الصورة والفيديو والمشهد المسرحي من أقوى وسائل التأثير..
ومن هذا المنطلق، فإن تجربة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة في الانفتاح على المسرح والسينما تبدو خطوة مهمة نحو جعل الثقافة والفن جزءا من العمل الاجتماعي والتوعوي.
أمسية جمعت الفن بالمواطنة
لم يكن يوم 5 شتنبر 2026 مجرد موعد مسرحي عابر بقاعة عبد الصمد الكنفاوي، بل كان مناسبة اجتمعت فيها مجموعة من المكونات: الفن، الشباب، العمل الجمعوي، الجمهور، والرسالة الاجتماعية….
كما أن حضور الفنانين والشعراء والفاعلين الجمعويين أضفى على الأمسية قيمة إضافية، وجعلها فضاء للتلاقي وتبادل الأفكار والاحتفاء بالإبداع.

وبين خشبة احتضنت ممثلين شبابا وجمهورا وجد نفسه داخل تفاصيل العرض، ظهرت صورة جميلة للمسرح عندما يتحرر من القوالب التقليدية ويصبح قريبا من الناس.
كلمة أخيرة
إن «تمارة مقسومة / شقا دار حتى هوما خدمة » لم تكن مجرد مسرحية تقدم أمام جمهور، وإنما تجربة حاولت أن تجعل من المسرح لغة للحوار، ومن الفن وسيلة للتوعية، ومن الجمهور شريكا في صناعة اللحظة.
وتبقى الرسالة الأهم التي حملتها هذه التجربة هي أن المساواة والمواطنة ليستا مجرد شعارات ترفع في المناسبات، وإنما قيم تحتاج إلى أن تتحول إلى ثقافة وسلوك وممارسة يومية ..

وحين يلتقي العمل الجمعوي بالفن، وحين يجد الشباب مكانهم فوق الخشبة، وحين يصبح الجمهور شريكا في العرض، فإننا نكون أمام نموذج من الثقافة التي لا تكتفي بأن تُشاهد، بل تدعو إلى التفكير والتفاعل وربما التغيير.
وهكذا، تواصل جمعية التحدي للمساواة والمواطنة مسارها في البحث عن وسائل جديدة للتواصل مع المجتمع، واضعة الفن في قلب رسالتها، ومؤكدة أن المسرح والسينما قادران على الوصول إلى أماكن قد لا تصل إليها الخطب والندوات.
من قاعة عبد الصمد الكنفاوي، خرجت الحكاية من الخشبة إلى الجمهور، وربما كان ذلك هو الانتصار الحقيقي للمسرح: أن يغادر المتلقي القاعة وهو يحمل معه سؤالا، وفكرة، وإحساسا بأن الفن يمكن أن يكون فعلا قوة من قوى التغيير.
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي
إعداد وتحرير: حسن بوسرحان
تصوير ومونتاج: مصطفى لحرش

…..
href=”https://alofoukalmaghribi.com/2026/09/06/%d8%ad%d9%8a%d9%86%d9%85%d8%a7-%d8%aa%d8%b5%d8%a8%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b4%d8%a8%d8%a9-%d8%b5%d9%88%d8%aa%d8%a7-%d9%84%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%b9-%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%a9/20260905_191528/” rel=”attachment wp-att-21482″>