الموقع الإلكتروني الأفق المغربي
تحرير وإعداد: حسن بوسرحان
لم يعد الحديث عن العمل المنزلي مجرد نقاش عابر حول من يقوم بتنظيف البيت أو إعداد الطعام أو رعاية الأطفال، بل أصبح قضية اجتماعية ترتبط بالعدالة والمساواة وتوزيع المسؤوليات داخل الأسرة. ومن هذا المنطلق، اختتمت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة مشروعها الاجتماعي والترافعي «شقا الدار ماشي حكرة.. شقا الدار حتى هو خدمة»، بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وذلك خلال ندوة صحافية احتضنتها مدينة الدار البيضاء يوم الثلاثاء 8 شتنبر 2026…

اللقاء الختامي لم يكن مجرد محطة لإسدال الستار على مشروع دام سنة ونصف، وإنما شكل مناسبة لاستحضار تجربة ميدانية جمعت بين التحسيس والترافع والتواصل والإبداع الفني، وفتحت نقاشاً مجتمعياً حول قيمة عمل غالباً ما يتم إنجازه في صمت، دون أجر، ودون أن يحظى في كثير من الأحيان بالتقدير الذي يستحقه.
من داخل البيت تبدأ حكاية المساواة
اختار المشروع أن يلامس واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بالحياة اليومية للأسرة المغربية: العمل المنزلي وأعمال الرعاية غير المؤدى عنها.
فخلف الأبواب المغلقة، هناك ساعات طويلة تقضيها نساء في الطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال وكبار السن وتنظيم شؤون الأسرة، وهي أعمال ضرورية لاستمرار الحياة الأسرية، لكنها ظلت في كثير من الأحيان خارج حسابات التقدير الاقتصادي والاجتماعي….

ومن هنا جاءت فلسفة المشروع لتعيد طرح السؤال بشكل مختلف: هل الأعمال المنزلية مسؤولية المرأة وحدها، أم أنها مسؤولية جميع أفراد الأسرة؟
وهو سؤال لا يبحث فقط عن إجابة نظرية، بل يسعى إلى تغيير سلوك يومي وثقافة اجتماعية متوارثة، تقوم على توزيع غير متوازن للمهام داخل العديد من الأسر.
اكتر من سنة ونصف من العمل الميداني والترافعي….
اعتمدت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، خلال مراحل تنفيذ المشروع، مقاربة متعددة المستويات، جمعت بين العمل الميداني والتعبئة المجتمعية والتكوين والترافع والإبداع الفني والتواصل الرقمي.
وانفتح المشروع على فئات مختلفة، من شباب وشابات وأسر ومؤسسات تعليمية وفرق رياضية ومرشدات دينيات وفعاليات من المجتمع المدني، إضافة إلى فنانين وإعلاميين، في محاولة لجعل موضوع تقاسم المسؤوليات الأسرية شأناً مجتمعياً يتجاوز حدود الجمعيات والمنظمات المتخصصة……

وكان الرهان واضحاً: إعادة النظر في الصورة النمطية التي تربط الأعمال المنزلية بالنساء حصراً، وترسيخ فكرة أن تدبير البيت ورعاية أفراده مسؤولية مشتركة بين جميع أفراد الأسرة.
«شقا الدار ماشي حكرة».. رسالة تحولت إلى حملة
ومن أبرز محطات المشروع إطلاق الحملة الوطنية «شقا الدار ماشي حكرة»، التي جاءت متزامنة مع عيد الشغل، في دلالة رمزية قوية تربط العمل المنزلي بمفهوم العمل وقيمته ومكانته داخل المجتمع.
كما تضمن المشروع تنظيم هاكاثون وورشات تكوينية وتحسيسية موجهة إلى الشباب والشابات، إلى جانب إنتاج مضامين رقمية وسمعية بصرية هدفت إلى توسيع دائرة النقاش وإيصال الرسالة إلى شرائح أوسع من المجتمع.
وهكذا لم تقتصر الحملة على الخطاب التقليدي للتحسيس، بل حاولت توظيف أدوات جديدة ولغة قريبة من الناس، باعتبار أن تغيير العقليات يحتاج إلى التواصل المستمر وإلى إشراك الفئات المعنية نفسها في صياغة الأسئلة والحلول.
الفن في مواجهة الصور النمطية….

ومن اللافت في تجربة المشروع أنه جعل من الفن وسيلة للتوعية والتغيير، انطلاقاً من قناعة بأن القضايا الاجتماعية لا تصل دائماً إلى الجمهور عبر الخطاب المباشر، وإنما يمكن للفيلم والمسرح أن يفتحا أبواباً أوسع للنقاش.
وفي هذا السياق، تم إنتاج الفيلم القصير «خلف الجدران»، من إخراج الهواري غباري، والذي تناول واقع العمل المنزلي وأعمال الرعاية غير المؤدى عنها، قبل أن يتم تقديمه لأول مرة بالمعهد الفرنسي بالدار البيضاء.
كما عرف المشروع إنتاج العرض المسرحي التفاعلي «تمارة المقسومة»، من إخراج المسرحي محمد بصالح، والذي اعتمد مقاربة «مسرح المضطهدين»، بما سمح بتحويل الجمهور من مجرد متلقٍ إلى طرف مشارك في النقاش، من خلال طرح الإشكالات المرتبطة بتوزيع الأدوار المنزلية والتفكير الجماعي في إمكانات تجاوزها.
وانطلقت الجولة الوطنية لهذا العرض من مخيم بوزنيقة، قبل أن تمتد إلى عدد من المخيمات الصيفية بمختلف جهات المملكة، حاملاً معه الرسالة ذاتها: أن العدالة داخل الأسرة تبدأ من الاعتراف بجهد كل فرد وتقاسم المسؤوليات بشكل أكثر إنصافاً.
من الاعتراف بالعمل إلى تغيير السلوك
إن أهمية هذا المشروع لا تكمن فقط في عدد الأنشطة التي أنجزها أو الفئات التي شاركت فيه، وإنما في السؤال الذي حاول وضعه في قلب النقاش العمومي: كيف يمكن أن نمنح العمل المنزلي والرعاية غير المؤدى عنهما المكانة الاجتماعية التي يستحقانها؟….
فالتغيير المنشود لا يرتبط فقط بإصدار توصيات أو تنظيم حملات تحسيسية، وإنما يتطلب انتقالاً فعلياً من مرحلة الاعتراف بالمشكلة إلى مرحلة تغيير السلوك والممارسات اليومية.
وهنا تبرز أهمية إشراك الشباب والمؤسسات التعليمية والفاعلين الرياضيين والدينيين والثقافيين والإعلاميين، لأن تغيير الصورة النمطية حول أدوار النساء والرجال يحتاج إلى عمل جماعي ومستمر، يبدأ من الأسرة ويمتد إلى المدرسة والشارع ووسائل الإعلام ومختلف المؤسسات.
محطة ختامية.. وبداية لنقاش أوسع
وخلال الندوة الصحافية الختامية، قدمت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة حصيلة المشروع وأبرز مخرجاته والدروس المستخلصة من مختلف مراحله، كما تم عرض الشريط الختامي الذي وثق جانباً من المحطات والأنشطة التي عرفها المشروع .
وشكل اللقاء كذلك فرصة لممثلات وممثلي وسائل الإعلام لطرح الأسئلة ومناقشة سبل مواصلة الاشتغال على هذه القضية، بما يجعل موضوع المساواة وتقاسم المسؤوليات داخل الأسرة حاضراً بشكل أكبر في السياسات العمومية وفي النقاش المجتمعي.
حين يصبح «شقا الدار» مسؤولية الجميع
في نهاية المطاف، تبدو الرسالة التي حملها المشروع بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة في دلالاتها: البيت فضاء مشترك، ومسؤولياته يجب أن تكون مشتركة أيضاً…..
فالعمل المنزلي ليس «مساعدة» تقدمها المرأة للرجل، كما أن رعاية الأبناء ليست مهمة نسائية خالصة، وإنما هي أعمال أساسية لاستمرار الأسرة والمجتمع.
ومن هنا يمكن قراءة شعار «شقا الدار ماشي حكرة.. شقا الدار حتى هو خدمة» باعتباره أكثر من مجرد عنوان لحملة؛ إنه دعوة إلى إعادة ترتيب مفهوم المسؤولية داخل الأسرة، والانتقال من منطق الأدوار المفروضة اجتماعياً إلى منطق الشراكة والتعاون والإنصاف.
وربما تكون القيمة الأهم التي خلفها هذا المشروع هي أنه نقل قضية غالباً ما تبقى داخل جدران المنازل إلى فضاء النقاش العمومي، ووضع أمام المجتمع سؤالاً لا يمكن تجاهله: إذا كانت الأسرة شراكة في الحياة، فلماذا لا تكون المسؤوليات داخلها شراكة أيضاً؟..

