إعداد وإخراج حسن بوسرحان…
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي..
بقلم : محمد غزلي.
إذا كان الشعر هو ديوان العرب حيث يستمد قوته من اللغة، فإن الزجل هو الوقود والذخيرة التي تحافظ على اللغة الدارجة المغربية وتنقذها من الانقراض.
بيد أن الزجل المغربي في الآونة الأخيرة دلفت إليه أصوات متأثرة بالثقافة الفرنكفونية والثقافات اللاتينية الحداثوية في توقيت صعب بات متحتما على الشعراء الملتزمين بالنمط المعياري أن يواجهوا الكثير من الرصاص في سبيل إنقاذ اللغة الدارجة من الضياع.
تمة أصوات شعرية نعثر فيها على هذا الالتزام، وحري بنا أن نستقبلها بالأزهار بدل الرصاص، أقصد رصاص الانتقاد، فأسوأ شيء وأسهل شيء أن تهشم القوالب الفنية المحافظة على اللغة بدعوى أنها قديمة ومتجاوزة دون إعطاء بدائل تسير على نفس الخط الثقافي، طالما أن اللغة هي الوعاء الذي ينقل الثقافة، وإذا ضاعت اللغة فلنصلي صلاة الجنازة على الثقافة. فهي- أي اللغة- (الأساس المصطلحي الذي يقوم عليه التصور وتبنى عليه الأفكار». بحسب عبد الله الغذامي في كتابه (هويات ما بعد الحداثة).
من هذه الأصوات الزجلية البعيدة عن مرمدة المروق والتشظي الشاعرة الزجالة المبدعة مليكة فتح الإسلام صاحبة اللغة الزجلية البعيدة عن الاصطناع والحذلقة والقوالب الفنية اللغوية المهربة من الخارج، أعني من خارج رسومات وبريستيج اللغة المعيارية.
دعونا نقتطف بعض الأمثلة والشواهد من ديوانها الأخير (جمر الغرام) لعلنا نقترب من حضور النزعة المعدنية الأصيلة (المعدن الأصيل). تقول الشاعرة مليكة فتح الإسلام:
«دغنش ف الهوى وگول نبغيك».
الدغنشة أو الدغانيش باللكنة الشيضمية، والدغاليش باللهجة الدكالية، في الدارجة المغربية هي التظاهر المهذب الأنيق بالرغبة في الحصول على شيء نفتقده ونحبه ونحاول الحصول عليه بأسلوب فيه الكثير من الحيل والمقالب الطفولية، هذه المعاني لا يمكن أن يتحملها أي لفظ دارجي أو فصيح بديل لو حاولنا أن نستبدله به ونزرعه في المقطع كبديل عن مفردة (دغنش). لن نستطيع أن نعبُر إلى كنه المشهد الذي تريد أن تصوره الشاعرة مليكة للمتلقي. إننا أمام تمسك لهجوي يحتفظ بثقته الدلالية وفي نفس الوقت ينفتح على الألاعيب اللغوية البديلة التي أعتبرها مجرد أوشام لاتينية لايمكن أن تنفذ إلى أعماق المعنى الحقيقي للمشاعر التي تتدفق من أرواحنا.
تقول الشاعرة في نفس الديوان:
« كوّش على الجمر هابي وبيه لعب»
في هذا المقطع نحن أمام حراسة آسرة للغة ناهيك عن النبرة الموسيقية الرقيقة المنبعثة من مفردة (كوّش) المشتركة دلاليا) مع المفردة الفصيحة (شدّ/ اُشدُد)، (شد على الجمر).
إن التركيبة التعبيرية لمفردة (كوّش) تحيلنا على التمسك الخالي من الارتباك، حتى القليل من الارتباك، بينما (شد) وصف لإمساك فاقد للتشبث والقوة، إذ أن أبسط إمساك هو شد في الخطاب الدارج عكس «كوّش».
وفي مقطع يبرر قطع علاقة الحب المستحيلة بين
ذات تشدو للوصال وذات ثانية غير متناسبة لاستمرارية الاتصال بنبرة تستدعي صفات الشخصية المتلونة بكل مراوداتها الطبيعية والمطبوعة تختزلها فتح الاسلام في قَطع صوتي ميكروسكوپي يستحوذ على كل تلك الدلالات نتحدث هنا عن مفردة «لحلاّس/لملاّس» في مقطع «لوجه الحلاس» و مقطع «لوجه لملاّس». تقول الشاعرة:
( ماجيتي على قياس
حلال عليك ضري وݣولة لاباس
حلال عليك غمضة العين
وتحرام عليا انت
حقاش عندك جوج وجوه
واحد حلاس ولاخر ملاس
وكلمة نبغيك بسالت
كيف البراد يلا بات ومساس).
إن التعامل مع الشخصية المتلونة يستدعي تشريحا سيكولوجيا أبعد من مجرد الوصف السطحي وبالتالي لا يمكن فهم التركيبة النفسية لهذه الذات إلا باستعمال النمط اللغوي الذي يحمل في طياته ما يساعدنا على هذا الفهم والتحليل، ف «لوجه لحلاس» تعبير يؤول إلى حتمية التخلص من صاحبه، إذ أن (لحلاسة) في التمثل المغربي أشبه بأسمال بالية لاداعي للاحتفاظ بها، بينما (لوجه لملاس) يحيلنا على الدور المسرحي لشخصية ( بومليس) الذي يدخل حياتنا برفق ولين أشبه ما يكون بميكانيزمات «السماوي»، وبمجرد أن يحصل منا على ما يريد ينسحب من وجودنا دون أدنى اعتبار لمشاعرنا المحطَّمة.
باختصار هو تعدد الأقنعة ووحدة الدور.
إن ديوان (جمر لغرام) زجل تتجاوز لغته الأساليب المستوردة سواء من التعابير البرانية (أقصد نفايات الحقول الفنية) أو الدخلانية ( المنتمية للحقل الزجلي الهجين) غير المستقرة على أساس تستسيغه أرواح الدارجة المغربية، دعونا نسميها التعابير اللاتعبيرية، وسواء المستوردة من نماذج تشكلت في ظل استحالة الثقافة السائلة/اللاصلبة أو المائعة- بحسب زيغمونت باومان- إلى نموذج مثالي باتت بعض الأصوات الزجلية الشبابية تميل إليه كآلية هروب من صلابة وصعوبة المعدن الزجلي الأصيل والذي تعتبر الشاعرة مليكة فتح الإسلام إحدى سيداته على مستوى البنية اللغوية وعلى مستوى بروفة الاشتغال الرمزي للقاموس الدارجي الذي بات مهددا بالانقراض.
