رولا أبو صالح عن العتمة التي تترك منافذ للضوء

كتب : الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 - 10:52 م مجتمع

إعداد وإخراج حسن بوسرحان….
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي..
بقلم : علي الرّاعي

في تجربة الفنانة رولا أبو صالح؛ يمكن قراءة مستويين، كما يمكن قراءة مستويات فرعية ضمن كلّ مستوى أو منحى.. في المنحى الأول: تجسيد الحالة النسوية التي عبرت عنها في لوحتها من خلال “تكتل” نسوي بتنويعاتٍ مختلفة، لكنها جميعها تذهب باتجاه تعبيرٍ عن تضامن نسوي والبحث عن الانطلاق والحرية.. وفي المنحى الثاني: حالة الطفولة التي عبرت عنها بأسلوبين: جمالية عفوية، وقمع الطفولة، وقد عالجت كلّ ما تقدم بالكثير من الرموز في سعيها للوصول لتعبيرية خاصة بها..

ففي معظم ما قدمته من أعمال، تبدو أبو صالح تتحرك داخل فضاءين بصريين متجاورين، لكنهما في العمق متداخلان: فضاء المرأة بوصفها ذاتاً تبحث عن التضامن والانعتاق، وفضاء الطفولة بوصفها زمناً هشاً يمكن أن يكون ممتلئاً بالعفوية واللعب، كما يمكن أن يتحول إلى مساحة للقمع والخوف والمصادرة، وبين هذين الفضاءين تنشأ لغة تشكيلية لا تكتفي بتمثيل الموضوع، وإنما تعمل على تحويله إلى حالةٍ بصرية ونفسية، تستعين بالكتلة، والخط، واللون، والرمز، والتراكم، والتداخل، لكي تصوغ تعبيرية ترسم خصوصيتها بتوءدة.

التكتل النسوي
وفي قراءة قريبة لأحد أعمالها تظهر المرأة ضمن تكتل بشري كثيف، تتجاور فيه الأجساد وتتراكب الأذرع والأيدي والرؤوس، حتى يصبح من الصعب أحياناً الفصل بين جسد وآخر، وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم مفاتيح القراءة في تجربة أبو صالح: الجسد لا يعود وحدة مستقلة، بل يتحول إلى جزء من جسد جماعي، فالنساء في هذه اللوحة لا يتجمعن لمجرد بناء تكوين مزدحم، وإنما التكتل نفسه يحمل المعنى، فالأجساد تتساند، والأيدي تمتد، وبعضها يرتفع إلى الأعلى، وكأن الحركة الجماعية تنطوي على محاولة دفع شيءٍ ثقيل أو كسر سقف غير مرئي، وهنا ثمة إحساس بأن الجماعة هنا أقوى من الفرد، والتضامن النسوي يصبح آلية تشكيلية تقوم عليها اللوحة ذاتها، وتأتي حركة الأيدي بتشكيلات كثيرة متداخلة، ومتباينة الاتجاهات، وكأداة إمساك، واحتضان، ومساعدة، وربما مقاومة أيضاً، وحين تتكاثر الأيدي بهذا الشكل، يتحول الجسد النسوي من موضوع للنظر إلى فاعل في المشهد، وكذلك الوجوه التي تميل الفنانة إلى اختزالها، وإدخالها في الإيقاع العام للكتلة البشرية، بحيث يصبح المهم هو الحالة التي تصنعها المجموعة، وليس هوية كل امرأة على حدة.

حديث اللون
وعلى الرغم من هيمنة درجات الأزرق والرمادي والبنفسجي في هذه اللوحة، فإنّ أبو صالح لا تجعل عالمها اللوني غارقاً في العتمة المطلقة، إذ تظهر بقع من الأحمر والبرتقالي والأصفر، متناثرة داخل النسيج البصري، كأنها ومضات مقاومة داخل فضاءٍ ضاغط. كما تمنح الألوان الباردة اللوحة مناخاً نفسياً مشحوناً بالقلق، بينما تعمل الألوان الحارة بوصفها نقاط توتر لاسيما الأحمر الذي يوقظ سطح اللوحة، ويمنح بعض مناطقها طاقةً عصبية، فيما يجيء البرتقالي والأصفر كأنهما إشارات حياة لا تريد أن تختفي، واللافت أن اللون لا يلتزم دائماً بحدود الجسد، فهناك مناطق يتداخل فيها لون الشخصية مع خلفية الشخصية الأخرى، فيصبح الفصل بين الأجساد أقل وضوحاً، وهذه التقنية تخدم فكرة التكتل نفسها: كل جسد يترك أثره في الجسد الآخر.

الوجه الآخر للطفولة
وإذا انتقلنا إلى عملٍ آخر، فنجد الفنانة تدخل عالماً مختلفاً، لكنه شديد الصلة بالعمل الأول في جوهره: عالم الطفولة، وهنا يبدو المشهد أكثر قسوة؛ مجموعة من الأطفال تتخذ أوضاعاً مختلفة، بعضها يوحي بالخوف أو الانكماش أو محاولة الاحتماء، بينما تظهر في الجهة اليسرى طفلة بملابس صفراء زاهية، ذات ضفيرتين، تنسحب بصرياً من المشهد أو تبدو كأنها تراقبه من خارجه. هذه الطفلة الصفراء تبدو للوهلة الأولى عنصراً جمالياً مبهجاً، لكنها سرعان ما تتحول إلى علامة ذات دلالة مزدوجة، فاللون الأصفر والملابس الملونة يتناقضان مع الكتلة الرمادية المحيطة بها كأن الفنانة وضعت الطفولة الطبيعية، طفولة اللعب والبراءة واللون، في مواجهة طفولة أخرى محاصرة بالخوف والاضطراب. وفي هذا المنحى فالطفولة عند أبو صالح ليست معنى واحداً، فهناك طفولة عفوية، تذهب نحو اللون واللعب والحركة، وهناك طفولة تُسلب منها شروطها الطبيعية، فتغدو أجساد الأطفال منكمشة، ووجوههم محجوبة أو ملتفة، وحركاتهم مثقلة، لاسيما من خلال تصويرهم مكبلي الأيدي والأقدم، أو مكممة الأفواه..

ذاكرة قلقة
تتكاثر الخطوط والآثار السطحية في اللوحة لتشكل ما يشبه طبقات من الذاكرة أو الخدوش، كما تمنح كثافة الأجساد والخطوط المتداخلة اللوحة إيقاعاً متوتراً، فلا توجد مساحة واسعة تسمح للعين بالاستراحة؛ إذ تنتقل العين من وجه إلى يد، ومن يد إلى كتف، ومن جسد إلى جسد، وكأنها عالقة داخل حركة بشرية لا تتوقف.

كما لا تستخدم رولا أبو صالح الرمز بوصفه علامة جاهزة ذات معنى واحد، فاليد يمكن أن تكون يد حماية أو مقاومة، والوجه المحجوب يمكن أن يدل على الخوف أو الصمت، واللون الأصفر يمكن أن يكون علامة فرح، لكنه في سياقه قد يصبح علامة على طفولة معزولة عن محيطها، ناقلةً الرمز إلى وظيفة تعبيرية تخدم شواغل اللوحة فكراً وبصراً، لاسيما في سعي الفنانة إلى بناء مشهدٍ نفسي.

وحدة التجربة الإنسانية
ورغم الاختلاف الذي بين المنحيين في شواغل لوحة رولا أبو صالح، فإن ثمة خيطاً خفياً يجمعهما: الجسد الواقع تحت الضغط، والجسد الذي يبحث عن مخرج، فتتكتل النساء الذي نوعت عليه في عشرات اللوحات، والذي ترمي من خلاله أن تتحول الكثرة إلى قوة، بينما في أعمال الأطفال، فيبدو الفضاء أكثر تفككاً وقسوة، وتصبح الجماعة وسيلة للتحرر؛ وهنا قد تصبح الجماعة نفسها فضاءً للخوف، ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تجربة أبو صالح بوصفها اشتغالاً على (موضوعة الحرية)، وقد أخذت نموذجين بوصفهما صورتين للإنسان حين يكون في مواجهة القيد وباعتبارهما الأكثر عرضة للقمع في المجتمع، وهما المرأة والطفل؛ المرأة التي تريد أن تنطلق، والطفل الذي يريد أن يلعب، وفي أعمالها؛ تقدم رولا أبو صالح تجربة تتأسس على التكتل والتداخل والرمز والتوتر اللوني، ومن ثمّ هي لا ترسم المرأة والطفولة بقدر ما ترسم ما يحدث للإنسان حين يحاول أن يستعيد جسده وصوته وحريته….

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :